فســـخ عقـــد البيـــع الدولـــى

للبضـــائع

وفقـــاً لاتفاقيـــة فيينـــا لعـــام 1980

الدكتـور

خــالد أحمــد عبــد الحميــد

المستشـار بمحكمـة النقـض

الطبعـــة الثانيـــة

2001



 

 

 

 

 

  إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً 1  ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبِكَ
وما تأخر ويُتم نعمتهُ عليك ويهديكَ صراطاً مستقيماً 2    

 

 



تنويــــــــه

كان هذا المؤلف موضوعاً لرسالة قدمت للحصول على درجة الدكتوراه فى الحقوق من كلية الحقوق جامعة القاهرة.

وتمت مناقشتها بتاريخ 20/12/2000، وشكلت لجنة المناقشة والحكم من الدكتور محمود سمير الشرقاوى أستاذ القانون التجارى بكلية الحقوق جامعة القاهرة - مشرفاً ورئيساً، والدكتور أبو زيد رضوان أستاذ القانون التجارى بكلية الحقوق جامعة عين شمس - عضواً، والدكتور رضا عبيد أستاذ القانون التجارى بكلية الحقوق جامعة القاهرة - فرع بنى سويف - عضواً.

وقد حصلت الرسالة على تقدير ممتاز والتوصية بتبادلها مع الجامعات العربية والأجنبية.

 

 



M

1- بدأت علاقات التجارة الدولية تبتعد منذ وقت غير قريب عن سيطرة وسطوة القوانين الداخلية، لتحكم أو تنظم عن طريق قواعد ذات طابع مهنى وقواعد عرفية لا تنتمى بأصلها إلى قواعد مستمدة من قانون دولة ما، بقدر ما تستمد من واقع ما يمكن أن يطلق عليه "مجتمع التجار الدولى". وتعتبر هذه القواعد بمثابة قانون يعلو بالضرورة "فوق الدول" Supranational أو هو "قانون غير وطنى" A national، يجسد فى الواقع قانون التجارة الدولية القديم والمعروف باسم Lex mercatoria[1].

ويرجع سبب اللجوء إلى هذه القواعد العرفية أن القوانين الوطنية كانت تعجز فى كثير من الحالات عن متابعة تطورات التجارة الدولية[2]. حتى قيل بأن التجارة الدولية لا تجد أحسن الظروف لنموها إلا إذا أفلتت من قيود واختلاف التشريعات والقوانين الوطنية، والتى تجعل القلق وعدم الأمان ملازماً للعقود الدولية التى تخضع لها[3].

كما أن تحديد القانون الوطنى الواجب التطبيق يرجع فيه إلى قواعد القانون الدولى الخاص المتعلقة بتنازع القوانين، وهى قواعد عسيرة الفهم على رجال القانون أنفسهم، وهى تختلف من دولة إلى أخرى مما يثير الكثير من الشك
حول القانون الذى سوف يحكم النزاع[4]. فإذا لم يحدد المتعاقدان هذا القانون فى عقدهما، تعذر عليهما معرفة القانون الذى سوف يطبقه القاضى إذا ثار نزاع بينهما[5]. وأدى ذلك إلى إشاعة القلق فى التعامل التجارى الدولى، وإلى استشعار رجال التجارة الدولية الحاجة إلى قواعد قانونية جديدة تكون أكثر مناسبة لظروفهم.

2- وتجد هذه القواعد العرفية للتجارة الدولية مصدرها فى العقود النموذجية Contrats-Types أو الشروط العامة Conditions Générales، وهى شروط يتفق عليها تجار سلعة معينة فى منطقة جغرافية معينة ويلتزمون بإرادتهم الحرة باتباعها فيما يبرمونه من صفقات تتعلق بهذه السلعة. وتحرر هذه الشروط عادة من نماذج مختلفة، يراعى فى كل نموذج منها ظروف تجار السلعة فى منطقة معينة، ويختار المتعاقدان النموذج الذى يتفق وظروفهم الخاصة، وقد ذاعت هذه الشروط العامة فى الوقت الحاضر حتى صارت تشمل أنواعاً عديدة من السلع وتغطى مناطق جغرافية شاسعة، ومثالها الشروط العامة التى وضعتها جمعية لندن لتجارة الغلال The London Corn Trade Association، والشروط العامة التى وضعتها اللجنة الاقتصادية الأوروبية بشأن توريد الأدوات والآلات اللازمة لتجهيز المصانع La fourniture des matériels d'équipement.[6]

كذلك فإن القواعد الدولية لتفسير مصطلحات التجارة الدولية والمعروفة باسم Incoterms والصادرة عن غرفة التجارة الدولية بباريس[7]، تعد أحد المصادر الأساسية لقواعد التجارة الدولية، ورغم أنها قواعد اختيارية يجب أن يتفق المتعاقدان على تطبيقها، إلا أنها تُعد تقنيناً يهتدى به للعرف الدولى فى البيوع التجارية الدولية، وتستخدمها فى الغالب الأعم العقود ذات الشكل النموذجى، بل ينظر إليها البعض باعتبارها المصدر الأساسى لقانون هذه البيوع الدولية.[8]

وقد تجد قواعد التجارة الدولية مصدرها فى الاتفاقيات الدولية التى تبرم بين عدد من الدول بقصد وضع قواعد موضوعية موحدة تسرى على المعاملات الدولية، فتلتزم الدول الموقعة عليها بتطبيق أحكامها. لكنها
لا يترتب عليها إلغاء القانون الوطنى فى شأن الموضوع الذى تتناوله الاتفاقية، وإنما ينكمش مفعول هذا القانون فى حدود الدولة فلا يسرى إلا على المعاملات الداخلية، أما المعاملات الدولية فتسرى عليها أحكام الاتفاقية[9].

3- وقد عملت بعض الهيئات الدولية على وضع قواعد موضوعية موحدة دولية تخضع لها مباشرة معاملات التجارة الدولية، منها المعهد الدولى لتوحيد القانون الخاص L'institut international pour L'unification de droit Privé[10]، والذى أولى اهتماماً لعدة مسائل فى القانون الخاص تتعلق بموضوعات التجارة الدولية من أهمها البيوع الدولية. وقد أسفرت جهوده فى هذا المجال عن توقيع اتفاقيتى لاهاى فى أول يوليو سنة 1964، واللتين تتضمنان قواعد موحدة للبيوع الدولية الأولى منهما تتعلق بالقانون الموحد للبيع الدولى للمنقولات المادية، والثانية تشتمل على قواعد موحدة خاصة
بتكوين هذا العقد. وقد دخلت الاتفاقيتان حيز التنفيذ منذ 18 و23 أغسطس سنة 1972 بالنسبة للدول التى صدقت عليهما[11].

ورغم الجهود التى بذلت فى إعداد اتفاقية لاهاى إلا أنها فشلت فى تحقيق الغرض المقصود منها، إذ لم يصدق عليها سوى عدد قليل من الدول[12]. ويرجع ذلك إلى أن الأعمال التحضيرية لهذه الاتفاقية شارك فيها عدد محدود من الدول غلبت عليه النزعة الأوروبية[13]، وتنتمى غالبيتها إلى النظام الرأسمالى مما أدى إلى إحجام الدول الاشتراكية فى ذلك الوقت ومنها
الاتحاد السوفيتى عن الانضمام إليها[14]. ونتيجة لذلك جاءت الاتفاقية معبرة فى بعض أحكامها عن وجهة نظر تنتمى إلى نظام قانونى واحد، فظهرت الحاجة إلى اتفاقية جديدة تتسع فيها المشاركة لتعبر عن كافة المصالح والأنظمة القانونية[15].

 4- وأنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 17 ديسمبر 1966 لجنة دائمة أسمتها "لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولى"[16] United Nations Commission of International trade Law، بقصد تشجيع التنسيق والتوحيد التدريجى لقانون التجارة الدولية. وحدد قرار إنشائها نوعية الأعمال التى يتسنى للجنة القيام بها لتحقيق هذا الغرض، ومنها على وجه الخصوص إعداد مشروعات اتفاقيات دولية وقوانين نموذجية وقوانين موحدة جديدة، أو تشجيع الأخذ بهذه الأدوات، وتشجيع تدوين المصطلحات التجارية والقواعد والعادات والممارسات الخاصة بالتجارة الدولية ونشرها[17].

 وقد تصدت اللجنة لوضع اتفاقية جديدة للبيع الدولى بعد فشل اتفاقيتى لاهاى لسنة 1964، فشكلت مجموعة عمل لوضع مشروع الاتفاقية الجديدة اتخذت من اتفاقيتى لاهاى أساساً لها. وفى عام 1976 أتمت مجموعة العمل وضع مشروعى اتفاقيتين، الأولى لتكوين البيع والثانية لآثاره، وناقشت اللجنة المشروعين في دورة انعقادها عام 1978 وأقرتهما، لكنها أدمجتهما فى
مشروع اتفاقية واحدة خصصت الجزء الثانى منها لتكوين البيع والجزء الثالث لآثاره. وأقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة المشروع، وأحالته إلى مؤتمر دبلوماسى انعقد بمدينة فيينا عام 1980 والذى أقر هذا المشروع فى
11 إبريل 1980، وحملت الاتفاقية اسماً رسمياً هو "اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع"[18].

ونصت الاتفاقية على أن يبدأ سريانها فى اليوم الأول من الشهر التالى لانقضاء اثنى عشر شهراً على تاريخ إيداع الوثيقة العاشرة من وثائق التصديق أو القبول أو الإقرار أو الانضمام[19]، وقد اكتمل عدد التصديقات المطلوب
لنفاذ الاتفاقية بإيداع كل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين وإيطاليا وثائق تصديقاتها فى 11 ديسمبر 1986[20]. وعلى ذلك بدأ نفاذ الاتفاقية بالنسبة للدول التى صدقت عليها حتى 11 ديسمبر 1986 - ومنها مصر - من اليوم الأول من شهر يناير 1988[21]. وحظيت الاتفاقية بعد ذلك بقبول واسع، إذ صدق عليها حتى نهاية عام 1998 ثلاث وخمسون دولة، مما جعلها من
أكثر الاتفاقيات الدولية لتوحيد قواعد التجارة الدولية نجاحاً حتى الوقت الحاضر[22]، حتى قيل بأنها يمكن أن تُعد القانون الجديد للتجار
The new Lex mercatoria[23]. ونتناول فيما يلى تعريف عقد البيع الدولى، وتنظيم اتفاقية
فيينا له، ثم الفسخ كجزاء للإخلال بتنفيذ عقد البيع الدولى، ونحدد أخيراً  موضوع دراستنا وخطة البحث.


أولاً: عقد البيع الدولى:

5- تعريف عقد البيع: يجرى النشاط التجارى الدولى - فى الأغلب -  على أساس من عقد بيع، يبرمه طرفان من دولتين مختلفين، على بضاعة سوف يجرى نقلها من البائع إلى المشترى، مقابل ثمن يتم تسديده بطرق معينة. فالبيع هو الأداة القانونية الفعلية التى يتحقق بها هذا النشاط الاقتصادى[24].

ولا تختلف التشريعات الوطنية كثيراً فى تعريفها لعقد البيع، إذ تعتمد فى تعريفها على ما يرتبه البيع من التزامات على طرفيه، وهى نقل ملكية  لبضاعة من البائع إلى المشترى مقابل ثمن نقدى، وقد صار الالتزام بنقل
المكية فى القوانين الحديثة ليس من طبيعة البيع فحسب، بل من مستلزماته أيضاً، فكل عقد بيع لابد أن ينشئ التزاماً فى ذمة البائع بنقل ملكية المبيع إلى المشترى، ويتم تنفيذ هذا الالتزام فى بعض البيوع بمجرد العقد وبقوة القانون، بينما يقتضى البعض الآخر قيام البائع بنقل ملكية المبيع إلى المشترى تنفيذاً لالتزامه بذلك، أى قيامه بالأعمال اللازمة لذلك[25]. وترتب على ذلك اختلاف القوانين الوطنية فى شأن أثر البيع فى ملكية المبيع، فمنها ما رتب على مجرد انعقاد البيع انتقال ملكية المبيع من البائع إلى المشترى، ومنها ما لا يرتب على البيع إلا مجرد إنشاء التزام بنقل الملكية[26].


فنجد أن القانون المصرى يُعرف عقد البيع بأنه عقد يلتزم به البائع أن ينقل للمشترى ملكية شئ أو حقاً مالياً آخر فى مقابل ثمن نقدى[27]. فيركز هذا التعريف على صفة البيع كعقد ناقل للملكية، إذ يرتب التزاماً فى ذمة البائع بنقل ملكية المبيع إلى المشترى[28].

ويقترب تعريف القانون الإنجليزى لعقد البيع من هذا المفهوم، إذ يعرفه بأنه "عقد ينقل البائع بمقتضاه - أو يتعهد بنقل - ملكية البضاعة إلى المشترى نظير مقابل نقدى يسمى الثمن"[29]. فيجب أن يقدم كل طرف شيئاً فى مقابل
ما يحصل عليه، فيقدم البائع - أو يتعهد بتقديم - ملكية البضاعة، ويقدم المشترى أو يتعهد بتقديم نقود كثمن لها[30]. وعلى ذات النهج يُعرف القانون الأمريكى البيع بأنه "نقل ملكية البضاعة من البائع إلى المشترى مقابل ما يدفعه الأخير من ثمن"[31].


أما القانون الفرنسى فقد ركز على الالتزام بالتسليم، إذ عرف عقد البيع بأنه "العقد الذى يلتزم بموجبه أحد الطرفين بتسليم شئ مقابل التزام الطرف الآخر بدفع الثمن"[32]. فتنتقل الملكية فى القانون الفرنسى بصفة أساسية بمجرد العقد، ولا تمثل التزاماً على عاتق البائع والذى لا يلتزم إلا بتسليم الشىء المبيع أى بنقل حيازته إلى المشترى[33].

وتختلف البيوع الدولية فى نظرتها لأثر البيع الناقل للملكية، إذ ينصرف نظر أصحابها إلى التسليم الموافق لشروط العقد وحده، باعتباره مركز الثقل فى هذه المعاملات، وتنتقل الملكية إلى المشترى بمجرد تمام هذا التسليم[34]. فأصبح الالتزام بالتسليم هو أساس العقد الدولى لبيع البضائع ومحور أحكامه، وأصبح يعنى فى الوقت الحاضر الالتزام بنقل الملكية، وذلك لصعوبة الفصل بين الالتزامين فى التعامل التجارى، لتعلق بيع البضائع فى الغالب بأشياء منقولة معينة بالنوع فلا تنتقل ملكيتها بمجرد التعاقد، كما هو شأن بيع المنقول المعين بالذات. ولذلك فإن الاتفاقيات الدولية التى نظمت عقد البيع الدولى لم تتعرض للالتزام بنقل الملكية، وإنما للالتزام بالتسليم وحده[35].

6- دولية عقد البيع: اختلف الرأى بصدد دولية عقد البيع، أى المعنى المقصود من "الدولية" فذهب القضاء الفرنسى إلى أن العقد يكون دولياً إذا كان يتصل بمصالح التجارة الدولية "Met en jeu les intérêts du commerce "international. إلا أن هذا التعريف لا يتسم بالوضوح، إذ لم يحدد كيف يكون اتصال العقد بالتجارة الدولية، فهو تعريف غامض لا يساعد على تحديد مدلول العقد الدولى. وهو ما دفع البعض إلى تقرير أن العنصر الحاسم في تحديد دولية البيع هو إقامة طرفى العقد فى دولتين مختلفتين[36]. بينما ذهب بعض آخر إلى الاعتداد باختلاف جنسية المتعاقدين[37].

لكن اختلاف جنسية المتعاقدين أو اختلاف محال إقامتهما قد يؤديان إلى إضفاء الصفة الدولية على عقود بيع لا تمت إلى التجارة الدولية بصلة، كالبيع الذى يبرم بين أجنبيين من جنسيتين مختلفتين يقيمان فى مصر مثلاً وموضوعه سلع موجودة بمصر وليس فى النية نقلها إلى مكان آخر، أو البيع الذى يبرم فى مصر بين مصرى يقيم بمصر وفرنسى يقيم بفرنسا لكنه فى زيارة لمصر وموضوعه سلع موجودة بمصر وليس فى النية نقلها وبثمن يدفع فى مصر وبالعملة المصرية، فالبيع فى الحالتين تغلب فيه الصفة الوطنية رغم اختلاف جنسية المتعاقدين ومحال إقامتهما[38].

 لذلك ذهب رأى إلى أن مجرد اختلاف جنسية أو موطن المتعاقدين لا يكفى لإضفاء صفه الدولية على عقدهما إذا لم يكن مكان إبرامه أو أعمال تنفيذه أو مكان وجود محله يهم أكثر من نظام قانونى، أى أكثر من قانون دولة واحدة. ويعرف العقد الدولى بالبناء على ذلك بأنه "العقد الذى يبرم بين مختلفى الجنسية أو متحديها إذا كان مكان إبرامه، أو أعمال تنفيذه، أو مكان وجود
محله يهم أكثر من نظام قانونى". ويقصد من هذا التعريف الإشارة إلى أن العقد لن يعتبر دولياً إلا إذا كان يتعلق بمعاملة دولية تقتضى تبادل بضائع أو أموال أو خدمات بين دول مختلفة، ولا يتوقف اعتباره دولياً على مجرد اختلاف
جنسية أو موطن أطرافه إن لم يقتض مثل هذا التبادل[39].

7- وتحدد الاتفاقيات الدولية التى تنظم البيع الدولى فى الغالب المقصود بالدولية، لأن أحكامها تتعلق بالبيع الدولى وحده فكان من اللازم بيان ضوابط الدولية التى يمكن على أساسها تحديد هذا البيع الدولى الخاضع لأحكامها.
فنجد أن اتفاقية لاهاى لسنة 1964 لم تعتد فى تحديد البيع الدولى الذى يخضع لأحكامها باختلاف جنسية المتعاقدين، إذ قد يُعد البيع دولياً ولو كان كل من البائع والمشترى من جنسية واحدة. وإنما جعلت العبرة باختلاف مراكز أعمال المتعاقدين أو محال إقامتهم العادية، واشترطت بالإضافة إلى هذا المعيار الشخصى أن يتوافر أحد معايير موضوعية ثلاثة:

الأول: هو وقوع البيع على سلع تكون عند إبرامه محلاً لنقل من دولة إلى أخرى، أو ستكون بعد إبرام البيع محلاً لمثل هذا النقل.

والثانى: هو صدور الإيجاب والقبول فى دولتين مختلفتين، ولا يشترط أن تكونا الدولتين اللتين يقع فيهما مركز أعمال المتعاقدين أو محل إقامتهما العادية، إذ المعتبر هو اختلافهما فحسب.

والثالث: هو تسليم المبيع فى دولة غير التى صدر فيها الإيجاب والقبول، ويكون البيع فى هذا الفرض دولياً ولو لم يقتض انتقال المبيع من دولة إلى أخرى[40].

ويعنى ذلك أنه يُشترط لكى يُعد البيع دولياً وفقاً لاتفاقية لاهاى أن يكون هناك عبور للحدود سواء من ناحية تكوين العقد أو من ناحية تنفيذه، بمعنى أن يتم تكوين العقد أو تنفيذه فى دول مختلفة. كما يعنى أن البيع يمكن أن يكون دولياً حتى لو كان المتعاقدان يحملان جنسية دولة واحدة ولكن يوجد مركز أعمال كل منهما فى دولة مختلفة، وأن البيع لا يكون دولياً إذا اختلفت جنسية المتعاقدين، ولكن كانت مراكز أعمالهما فى نفس الدولة[41].

 

 


ثانياً: تنظيم اتفاقية فيينا لعقد البيع الدولى:

8- ماهية عقد البيع فى اتفاقية فيينا: لم تُعرف اتفاقية فيينا لسنة 1980 عقد البيع واكتفت بتحديد الالتزامات الرئيسية لطرفيه، فنصت على أن البائع يجب عليه أن يُسلم البضائع والمستندات المتعلقة بها وأن ينقل ملكية البضائع على النحو الذى يقتضيه العقد وهذه الاتفاقية[42]. كما نصت على أن المشترى يجب عليه أن يدفع ثمن البضائع وأن يستلمها[43].

لكن الاتفاقية تعرضت لنوعين من البيوع لما قد يثار من شك حول تكييفهما، الأول هو عقد البيع الذى يقترن به عملية مادية هى صنع السلعة وفقاً للمواصفات المطلوبة، فنصت على أن تعتبر بيوعاً عقود التوريد التى يكون موضوعها صنع بضائع أو إنتاجها إلا إذا تعهد الطرف الذى طلب البضائع بتوريد جزء هام من العناصر المادية اللازمة لصنعها أو إنتاجها[44].

فالأصل إذن فى البيوع المقترنة بطلب صنع السلعة أو إنتاجها أنها تعتبر بيوعاً خاضعة لأحكام الاتفاقية، إلا إذا تعهد طالب صنع السلعة أو إنتاجها بتقديم جزء جوهرى مما يلزم لصنعها أو إنتاجها، فيكون العقد فى هذه الحالة شيئاً آخر غير البيع كعقد مقاولة أو إستصناع، فلا يخضع لأحكام الاتفاقية. ويتوقف اعتبار العقد بيعاً على جوهرية العنصر الذى يتعهد طالب السلعة بتقديمه، أى على أهمية الدور الذى يقوم به فى تكوينها، ولو لم يكن أكثر العناصر عدداً أو أضخمها وزناً أو أكبرها حجماً[45].

والنوع الثانى من البيوع الذى تعرضت له الاتفاقية هو الذى يتضمن بالإضافة إلى توريد البائع للبضاعة التزامه بتقديم خدمات للمشترى، كالمساعدة فى تجميع الأجهزة وتشغيلها وتدريب عمال المشترى ومساعدتهم فى اكتساب المهارات الفنية. وقد عرفت التجارة الدولية هذه العقود منذ زمن بعيد، والغالب أن يسمى البائع فيها "المقاول" Constructeur[46]، ومن أمثلتها "عقد تسليم مفتاح" Contrat Clé en main والذى يلتزم فيه المقاول بإتمام عمليات إقامة الأبنية وتوريد الآلات والأجهزة وتركيبها وتجربتها وإعداد المصنع للتشغيل، وقد يعهد إليه بخدمات إضافية تتمثل فى تشغيل المصنع وتدريب العاملين المحليين حتى تكتمل قدراتهم على إنتاج السلعة بالمواصفات المطلوبة، ويطلق على العقد عندئذ اسم "عقد تسليم إنتاج" Contrat produit en main[47]. وقد نصت الاتفاقية على أنها لا تطبق على هذه العقود إذا كان الجزء الأساسى فيها يتضمن التزام الطرف الذى يقوم بتوريد البضائع تقديم اليد العاملة أو غير ذلك من الخدمات[48]. فشرط عدم خضوع هذه العقود  للاتفاقية أن يثبت أن الجزء الغالب من التزامات المقاول يتمثل فى تقديم عمل أو القيام بخدمة أخرى بحيث لا يعتبر توريد البضائع سوى أحد الالتزامات التابعة لالتزامات المقاول فى العقد. ويستعان فى إثبات ذلك بتقدير قيمة البضائع التى يتم توريدها مع مقارنتها بالأجر الذى سيدفع مقابل العمل أو الخدمة، فإذا كانت القيمة الأولى هى الغالبة بأن كانت أكثر من 50% من القيمة الكاملة للعقد، فإن العقد يُعد بيعاً خاضعاً لأحكام الاتفاقية وإلا فهو عقد مقاولة يستبعد من الخضوع لها[49].

9- البيوع المستبعدة: وإذا كانت اتفاقية فيينا تضع تنظيماً موحداً لعقد بيع البضائع، فإن مؤدى ذلك أن يستبعد من نطاق تطبيقها بيع العقار، لأن العقار لا يُعد من البضائع، وكذلك بيع المنقولات المعنوية كبراءات الاختراع والعلامات التجارية لأن لفظ البضائع يشير إلى المنقولات المادية بصفة خاصة. كما يرجح استبعاد المقايضة أيضاً من نطاق تطبيقها لأن
الاتفاقية أشارت صراحة إلى التزام المشترى بأداء الثمن والمقايضة هى مبادلة شىء بشىء[50].

واستبعدت الاتفاقية صراحةً أنواعاً أخرى من البيوع، فنصت على عدم سريان أحكامها على بيوع البضائع التى تشترى للاستعمال الشخصى أو العائلى أو المنزلى، إلا إذا كان البائع لا يعلم قبل انعقاد العقد أو وقت انعقاده، ولا يفترض فيه أن يعلم، بأن البضائع أشتريت لاستعمالها فى أى وجه من الوجوه المذكورة[51]. وكان من اللازم النص صراحةً على استبعاد مثل هذه البيوع والتى تُعد بيوعاً استهلاكية، بعد أن نصت الاتفاقية صراحةً على عدم الاعتداد بالصفة المدنية أو التجارية للأطراف أو للعقد، مما مؤداه أن تخضع هذه البيوع لأحكام الاتفاقية إذا لم تستبعد صراحةً من نطاقها[52].

ويرجع استبعاد هذه البيوع إلى أنها غالباً ما يتم تنظيمها فى القوانين الوطنية بقواعد آمرة تهدف إلى حماية المستهلكين، بالإضافة إلى انعدام الصلة بينها وبين التجارة الدولية. ويقع على المشترى عبء إثبات أن الشراء كان للاستعمال الشخصى، لأن الغالب أن يكون هو من يتمسك بتطبيق القانون الوطنى عليه، ويكون على البائع فى هذه الحالة إثبات أنه كان لا يعلم وقت التعاقد الغرض من الشراء ولم يكن فى إمكانه هذا العلم[53].

واستبعدت الاتفاقية من نطاق تطبيقها بيوع المزاد والبيوع التى تعقب الحجز أو غيرها من البيوع التى تتم بموجب أمر من السلطة القضائية[54]. ويرجع ذلك إلى أن بيوع المزاد لا يعرف فيها المشترى إلا لحظة رسو المزاد، فلا يمكن التعرف على دولية البيع ومدى خضوعه للاتفاقية قبل هذه اللحظة، ويكون الأولى إخضاع البيع لقانون الدولة التى يتم رسو المزاد بها. أما البيوع التى تتم بأمر من السلطة القضائية فالغالب أن يتم تنظيمها بقواعد آمرة فى القوانين الوطنية، فيتعين تركها لمثل هذا التنظيم[55].

واستبعدت الاتفاقية أيضاً من نطاق تطبيقها بيوع الأوراق المالية كالأسهم والسندات وشهادات الاستثمار، والأوراق التجارية كالكمبيالات والسندات الإذنية والشيكات، وبيع النقود أى عمليات الصرف الأجنبى[56]. وكذلك بيع السفن والمراكب والحوامات والطائرات[57]، وبيع الكهرباء[58]. ويرجع ذلك إلى أن هذه البيوع يتم تنظيمها فى الغالب فى القوانين الوطنية بأحكام خاصة تختلف عن أحكام البيع، وقد تكون آمرة. وفيما يتعلق ببيع النقود فإنه لا يستبعد من نطاق الاتفاقية إذا بيعت النقود بوصفها سلعة كبيع النقود الأثرية. أما بيع الكهرباء فيرجع استبعاده إلى الخلاف فى القوانين الوطنية حول ما إذا كانت الكهرباء منقولاً مادياً أم معنوياً، ويقتصر الاستبعاد على الكهرباء وحدها دون غيرها من مصادر الطاقة الأخرى[59].


10- ضابط الدولية فى اتفاقية فيينا: حددت اتفاقية فيينا متى يكون عقد البيع دولياً، فنصت على أن أحكامها تطبق على عقود بيع البضائع المعقودة بين أطراف توجد مراكز أعمالهم فى دول مختلفة[60]، دون اعتداد بجنسياتهم[61]. فوضعت الاتفاقية بذلك للدولية معياراً واحداً بسيطاً هو تواجد مراكز عمل المتعاقدين فى دولتين مختلفتين، دون أن ينظر فى ذلك إلى مكان إبرام العقد أو تنفيذه أو جنسية المتعاقدين أو مكان وجود البضاعة موضوع عقد البيع[62].

ولم تُعرف الاتفاقية المقصود بمركز الأعمال[63]. فقد يكون المتعاقد شخصاً معنوياً أو فرداً، ويكفى فى الحالتين أن يوجد له مكان فى دولة معينة يمارس فيه عمله[64]. ويجب أن يكون هذا المكان دائماً، سواء كان مصنعاً أو محلاً تجارياً أو مكتباً أو وكالة، أما المنشآت العارضة فلا تؤخذ فى الاعتبار عند النظر فى تعيين نطاق تطبيق الاتفاقية[65].

لكن الاتفاقية اشترطت للاعتداد بتواجد مراكز عمل المتعاقدين فى دول مختلفة أن يتبين ذلك من العقد أو من أى معاملات سابقة بين الأطراف، أو من المعلومات التى أدلى بها الأطراف قبل انعقاد العقد أو فى وقت انعقاده[66]. ويعنى ذلك أن يكون كل من الطرفين عالماً وقت التعاقد أن مركز أعمال الطرف الآخر يوجد فى دولة أخرى، فيدرك بذلك أن البضاعة سوف تتخطى حدود الدولة وأن ثمنها سوف يرتد فيما بعد من الخارج[67]. وقصد بهذا الحكم مواجهة الحالة التى يتم فيها التعاقد مع وكيل محلى لمنشأة أجنبية، دون أن تظهر هذه المنشأة فى العقد أو يعلم بها الطرف الآخر[68].

وإذا كان لأحد الطرفين أكثر من مكان عمل واحد، فيقصد بمكان العمل المكان الذى له صلة وثيقة بالعقد وبتنفيذه، مع مراعاة الظروف التى يعلمها الطرفان أو التى كانت محل نظر بينهما فى أى وقت قبل انعقاد العقد أو وقت انعقاده[69]. وإذا لم يكن لأحد الطرفين مكان عمل، وجب الأخذ بمكان إقامته المعتاد[70]. وهو المكان الذى يقيم فيه الشخص عادة وإذا تركه مؤقتاً فإنه يعود إليه[71].

ولم تكتف الاتفاقية بتواجد مراكز أعمال المتعاقدين فى دول مختلفة إنما أضافت إلى ذلك ضرورة توافر أحد شرطين، الأول هو أن تكون هذه الدول التى توجد بها مراكز أعمال المتعاقدين دولاً متعاقدة[72]. فتطبق الاتفاقية إذا كانت مراكز أعمال المتعاقدين موجودة فى دول مختلفة متعاقدة، أى صدقت على الاتفاقية أو انضمت إليها وأصبحت جزءاً من قانونها
الوطنى، وذلك حتى لو أدت قواعد القانون الدولى الخاص إلى تطبيق قانون دولة ثالثة[73].

والشرط الثانى الذى تُطبق أحكام الاتفاقية فى حالة تحققه، هو عندما تؤدى قواعد القانون الدولى الخاص إلى تطبيق قانون دولة متعاقدة[74].

ويعنى ذلك أن الاتفاقية قد وسعت من نطاق تطبيقها بصورة كبيرة،بحيث تطبق على عقود بيع لا يوجد مركز أعمال لأحد طرفيها فى دولة متعاقدة، أو حتى لا يوجد مركز أعمال لأى من طرفيها فى دولة متعاقدة، وإنما يكون تطبيقها فى هذه الحالة نتيجة تطبيق قواعد القانون الدولى الخاص[75]. فإذا أدت قواعد القانون الدولى الخاص فى هذه الحالة إلى تطبيق قانون دولة متعاقدة فإن الذى يطبق هو أحكام الاتفاقية وليس القانون الداخلى لهذه الدولة[76].

وقد اعترضت بعض الدول فى المؤتمر الدبلوماسى الذى ناقش مشروع اتفاقية فيينا، على هذا الحكم الأخير بحجة أن لديها تشريعات وضعت خصيصاً لمواجهة متطلبات التجارة الدولية وطلبت عدم إلزامها بتطبيق أحكام الاتفاقية إذا أدت قواعد القانون الدولى الخاص إلى تطبيق قانونها[77]. ونتج عن ذلك أن أضيف حكم جديد إلى الاتفاقية يجيز لأى دولة متعاقدة أن تعلن وقت إيداع وثيقة تصديقها أو قبولها أو إقرارها أو انضمامها أنها لن تلتزم بأحكام البند  ب  من الفقرة الأولى من المادة الأولى من الاتفاقية[78].

11- موضوعات البيع المستبعدة: لم تنظم اتفاقية فيينا جميع موضوعات البيع فى العقود التى تخضع لأحكامها، وإنما قصرت تطبيقها على تكوين عقد البيع والحقوق والالتزامات التى ينشئها هذا العقد لكل من
البائع والمشترى[79].

ويرجع سبب قصر الاتفاقية على هاتين الناحيتين أنهما دون غيرهما من نواحى البيع الأخرى أطوع للتوحيد لخلوهما من المعوقات التى تحول دون بلوغه، كما أنهما أوثق النواحى صلة بالتجارة الدولية، إذ تدور حولهما فى أغلب الفروض المنازعات التى تنشأ عن البيع الدولى[80].

وذكرت الاتفاقية أمثلة لبعض المسائل التى لا تشملها أحكامها فنصت على أنها لا تتعلق على وجه الخصوص بصحة العقد أو شروطه أو الأعراف المتبعة فى شأنه[81]. وكذلك لا تتعلق بالآثار التى يحدثها العقد في شأن ملكية البضائع المبيعة[82]. كما نصت على أن أحكامها لا تسرى على مسئولية البائع الناتجة عن الوفاة أو الإصابات البدنية التى تحدث لأى شخص بسبب البضائع[83].


وأجازت الاتفاقية للطرفين استبعاد تطبيقها أو مخالفة نص من نصوصها أو تعديل آثاره[84]. فأحكام الاتفاقية لا تتعلق بالنظام العام فيجوز استبعادها أو الاتفاق على مخالفتها[85].

فتعد الصفة التكميلية لأحكام الاتفاقية من خصائصها المميزة، فيستطيع المتعاقدان استبعاد تطبيقها سواء كان ذلك كلياً أو جزئياً، لكن يجب أن يتفقا على ذلك صراحةً. ولا يكفى الاتفاق على تطبيق القانون الوطنى لإحدى الدول، لأن هذه الدولة إذا كانت متعاقدة فسوف تكون أحكام الاتفاقية هى الواجبة التطبيق، فيجب أن يذكر المتعاقدان صراحة استبعادهما
لأحكام الاتفاقية[86].


ثالثاً: الفسخ كجزاء للإخلال بتنفيذ عقد البيع الدولى:

12- يُعد مبدأ العقد شريعة المتعاقدين من المبادئ الأساسية المأخوذ بها فى التجارة الدولية، فيلتزم المتعاقدان بتنفيذ جميع ما اشتمل عليه العقد وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية، حتى لو أصبح هذا التنفيذ مرهقاً لأحدهما، ولا يجوز لأى منهما تنفيذ العقد على نحو مختلف، أو تقديم بديل لهذا التنفيذ، أو إنهاء العقد بإرادته المنفردة. ورغم ذلك فإن تنفيذ العقد قد يتم على نحو معيب، أو لا يتم هذا التنفيذ على الإطلاق، وفى هذه الحالة يحق للطرف المضرور اللجوء إلى الجزاءات المقررة لمواجهة هذا الإخلال، ومن أهمها فسخ العقد[87].

ويمكن تعريف الفسخ "Résolution" بأنه حل الرابطة العقدية، بناء على طلب أحد طرفى العقد، إذا أخل الطرف الآخر بالتزاماته. فهو جزاء لإخلال أحد المتعاقدين بالتزاماته، وبمقتضاه يستطيع الطرف الآخر حل الرابطة
العقدية حتى يتحرر نهائياً من الالتزامات التى يفرضها العقد عليه[88].


وقد عرفت القوانين الوضعية الفسخ، فجعله القانون المصرى جزاءً لعدم قيام أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه[89]. ورتب عليه إعادة المتعاقدين إلى الحالة التى كانا عليها قبل العقد[90]. وعبر عنه القانون الإنجليزى باصطلاح "رفض البضاعة" Rejection of Goods، إذ أعطى المشترى الحق فى رفض البضاعة إذا أخل البائع إخلالاً جسيماً بتنفيذ العقد[91]. ورتب على هذا
الرفض أحقية المشترى فى الامتناع عن دفع الثمن، أو استرداد هذا الثمن إذا كان قد دفعه[92].

كذلك يُعد الجزاء الرئيسى الذى خوله القانون الأمريكى للمشترى هو حقه فى رفض البضاعة غير المطابقة To reject non-Conforming goods، إذا كانت لا تطابق العقد بأى صورة من الصور[93]، أو فى حالة العقود التى
يتم تسليمها على دفعات إذا كانت تحرمه بشكل أساسى من قيمة الدفعة غير المطابقة المسلمة إليه ولم يكن من الممكن إصلاحها[94].


كما عرف القانون الأمريكى اصطلاحى "الإنهاء Termination"  و "الإلغاء Cancellation" وقصد بهما أن ينهى أحد المتعاقدين العقد لإخلال الطرف الآخر بالتزاماته أو للأسباب التى يحددها القانون، وينتج عن ذلك تحلل كل منهما من التزاماته[95].

13- ولا تختلف عقود البيع الدولية عن سائر العقود من حيث الجزاءات التى تطبق فى حالة إخلال أحد طرفيها بالتزاماته، ومنها الفسخ. وقد يكون أساس تطبيق هذا الجزاء هو القانون الوطنى الواجب التطبيق على هذا العقد الدولى أو اتفاق المتعاقدين إذا اتفقا عليه فى عقدهما كجزاء للإخلال ببعض الالتزامات، كما قد يكون إعماله تطبيقاً للاتفاقيات الدولية التى تنظمه ضمن أحكامها الموضوعية الخاصة بعقد البيع الدولى، كما هو الحال فى اتفاقية لاهاى لسنة 1964 واتفاقية فيينا لسنة 1980.


وقد أوردت قواعد المعهد الدولى لتوحيد القانون الخاص Unidroit[96]جزاء الفسخ ضمن أحكامها، فأجازت لأى طرف إنهاء العقد إذا كان إخلال الطرف الآخر بتنفيذ التزاماته يرتقى إلى مرتبة الإخلال الجوهرى بالعقد. وقد استخدمت النسخة الفرنسية للتعبير عن ذلك اصطلاح "الفسخ" Résolution، بينما استخدمت النسخة الإنجليزية اصطلاح "الإنهاء" Termination، وتابعت الترجمة العربية النسخة الإنجليزية فاستخدمت اصطلاح "الإنهاء"[97].

14- لكن الفسخ فى العقود الدولية يُعد جزاءً قاسياً تتأذى التجارة الدولية من حدوثه لكل إخلال بالعقد أو مخالفة لأحكامه، إذ تتحقق مصلحتها فى الإبقاء عليه وإكمال تنفيذه ولو مع إخلال يمكن أن يجبره بالتعويض[98]. ذلك أن  الفسخ يدمر العقد والذى لا يتم غالباً إلا بعد مفاوضات شاقة مكلفة، ويترتب على حدوثه إعادة البضائع بعد إرسالها وما يصحب ذلك من نفقات جديدة للنقل والتأمين ومن إجراءات إدارية وصحية لازمة لدخول البضائع وخروجها ولإرسال الثمن ثم استرداده، فضلاً عن تعرض البضائع لمخاطر التلف والهلاك مرة أخرى[99].

أضف إلى ذك أن عقد البيع الدولى يتصل به اتصالاً لازماً بعض العقود الدولية الأخرى، مثل عقد نقل البضائع وعقد التأمين والاعتماد المستندى الذى يتم دفع الثمن عن طريقه، فهو يكون وحدة من العقود الدولية ترتبط معاً ككل[100]. فإذا فُسخ عقد البيع فإن ذلك سوف ينتج أثره على كافة العقود الأخرى التى ترتبط به إذا كانت لم يتم تنفيذها، مما يولد مشاكل وصعاب
عديدة، وهو ما يضفى أهمية كبيرة على الفسخ فى العقود الدولية، قد لا تتوفر له فى العقود الوطنية.


رابعاً: موضوع الدراسة وخطة البحث:

15- نظمت اتفاقية فيينا الفسخ، فأجازته لأى من الطرفين إذا أخل الطرف الآخر بالتزاماته، لكنها أظهرت عدم تفضيلها اللجوء إليه فوضعت شروطاً  ثقيلة تحد من استعماله، ومهدت الطريق لإنقاذ العقد من الفسخ بعد وقوع المخالفة التى تبرره وذلك بإتاحة الفرصة لإصلاحها.

ونظراً لأهمية الفسخ فى نطاق عقود البيع الدولية، وما يترتب عليه من آثار خطيرة فى التجارة الدولية، فقد اخترنا تنظيم اتفاقية فيينا له موضوعاً لهذه الدراسة، والتى نحاول فيها التعرف على ما بذلته الاتفاقية من جهد للحد من نطاق الفسخ وتقليل الآثار غير المرغوب فيها التى يمكن أن تنتج عنه ومدى نجاحها فى ذلك.

ونقسم دراستنا إلى قسمين، نتناول فى القسم الأول حالات الفسخ، وهى الحالات التى أجازت فيها الاتفاقية للمتعاقد فسخ العقد، والشروط اللازم توافرها فيها حتى يمكن للمتعاقد استخدام هذا الجزاء.

ونتناول فى القسم الثانى أحكام الفسخ وآثاره، فنبين كيف يتم الفسخ وفقاً لاتفاقية فيينا، والطريق الذى اختارته الاتفاقية لذلك، ثم نوضح القيود التى وضعتها الاتفاقية على استعمال حق الفسخ. ونتناول بعد ذلك الآثار التى تترتب على فسخ العقد فى حالة وقوعه.

 

القسم الأول

 

حالات الفسخ


16- تمهيد: إذا كان الأصل أن ينفذ المتعاقدان التزاماتهما المترتبة على العقد بطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية، فتنقضى هذه الالتزامات بالوفاء بها، إلا أنه قد يخل أحدهما بالتزاماته، بأن يتخلف عن تنفيذها أو عن تنفيذ أحدها أو ينفذه على نحو معيب. وقد يصل هذا الإخلال إلى درجة تجعل الإبقاء على العقد أمراً غير مقبول، فيكون اللجوء إلى الفسخ متعيناً.

وقد حرصت اتفاقية فيينا على الحفاظ على عقد البيع وتقييد استعمال حق الفسخ، لما يترتب عليه فى مجال التجارة الدولية من آثار اقتصادية غير مرغوب فيها[101]، تتمثل فى نفقات إضافية يتحملها أحد الطرفين، ومخاطر جديدة تتعرض فيها البضاعة للهلاك[102].

لذلك قصرت الاتفاقية الفسخ على حالات محدودة، تتمثل أساساً في ارتكاب مخالفة على درجة كبيرة من الخطورة، وهى ما أطلقت عليه المخالفة الجوهرية Contravention Essentielle، فجعلت ارتكاب هذه المخالفة شرطاً أساسياً لفسخ العقد.

لكن الاتفاقية مع ذلك أجازت الفسخ رغم أن المخالفة الجوهرية لم ترتكب بعد، وإنما ظهر بوضوح ما يؤكد أنها سوف ترتكب، وهى حالة الفسخ المبتسر للعقد، كما تعرضت الاتفاقية للحالة التى يكون فيها تأثير المخالفة قاصراً على جزء فقط من العقد، وهى حالة الفسخ الجزئى للعقد.

وعلى ذلك نتناول فى هذا القسم حالات الفسخ فى بابين: الأول يتعلق بالفسخ لارتكاب مخالفة جوهرية، والثانى يتعلق بالفسخ المبتسر والجزئى.


الباب الأول

الفسخ لارتكاب مخالفة جوهرية

17- تمهيد وتقسيم: أعطت اتفاقية فيينا لطرفى عقد البيع الدولى الحق فى فسخه إذا أخل الطرف الآخر بالتزاماته المتعلقة به، لكنها قيدت هذا الحق باشتراط أن يكون الإخلال المرتكب على درجة من الخطورة تبرر اللجوء إلى الفسخ، وذلك حرصاً منها على تجنب الفسخ ومحاولة الحفاظ على العقد.

وأخذت الاتفاقية، فى تحديد مدى خطورة المخالفة، بمعيار يقوم على التفرقة بين المخالفة الجوهرية للعقد Contravention Essentielle والمخالفة غير الجوهرية، وأجازت الفسخ إذا كانت المخالفة المرتكبة جوهرية بينما منعته إذا كانت المخالفة غير جوهرية.

لكن ارتكاب مخالفة غير جوهرية لا يحرم الطرف المضرور من فسخ العقد فى جميع الأحوال، إذ وضعت الاتفاقية نظاماً تتحول بموجبه المخالفة غير الجوهرية إلى مخالفة جوهرية، وهو النظام الخاص بمنح مهلة إضافية لتنفيذ الالتزام، ويطلق على المخالفة الجوهرية فى هذه الحالة المخالفة الجوهرية المكتسبة تمييزاً لها عن المخالفة الجوهرية الأصلية.

وعلى ذلك نتكلم فى فصل أول عن المخالفة الجوهرية الأصلية، وفى فصل ثان عن المخالفة الجوهرية المكتسبة.


الفصل الأول

المخالفة الجوهرية الأصلية

18- أصل فكرة المخالفة الجوهرية: تُعد فكرة المخالفة الجوهرية من الأفكار الأساسية التى استخدمتها اتفاقية فيينا في أحكامها الخاصة بالجزاءات[103]، خاصة ما تعلق منها بالفسخ. وهذه الفكرة غير معروفة في دول عديدة[104]، ومنها مصر والدول التى تأخذ بنظام القانون المدنى Civil Law. وهى تجد أصلها فى اتفاقية لاهاى لسنة 1964، والتى كانت قد استلهمتها من التفرقة فى القانون الإنجليزى بين الشرط Condition والضمان Warranty [105] . كما أن اصطلاح المخالفة الجوهرية نفسه كان قد شاع استعماله فى دول القانون المشترك Common law[106].

لكن اتفاقية فيينا مع ذلك أقامت لهذه الفكرة نظاماً جديداً ومبتكراً، يتعين التعرف عليه وحده دون تأثر بمصدره [107] . ومن ثم نعرض فى فرع أول للإخلال المبرر للفسخ فى بعض الأنظمة القانونية، وفى فرع ثان للمخالفة الجوهرية فى اتفاقية لاهاى، وفى فرع ثالث للمخالفة الجوهرية فى اتفاقية فيينا.


الفرع الأول

الإخلال المبرر للفسخ
فى بعض الأنظمة القانونية

19- تقسيم: عرفت الأنظمة القانونية المختلفة الفسخ كجزاء لعدم تنفيذ الالتزامات المترتبة على العقد، لكنها اختلفت فى تحديدها للشروط التى يتعين توافرها لتطبيقه. فنعرض لموقف القانون الإنجليزى باعتبار أن اتفاقية فيينا قد استلهمت منه فكرة المخالفة الجوهرية. ثم نعرض لموقف القانون المصرى وشروط الإخلال المبرر للفسخ فيه.

المبحث الأول

القانون الإنجليزى

20- من المقرر فى القانون الإنجليزى أن شروط العقد ليست على درجة واحدة من الأهمية، وإنما تختلف من حيث أهميتها وبالتالى من حيث الأثر المترتب على الإخلال بها[108]. والتفرقة الأساسية فيه هى بين الشرط Condition والضمان Warranty، فلا يسمح قانون البيع الإنجليزى[109]، بفسخ العقد إلا إذا ارتكب المتعاقد مخالفة لشرط، أما مخالفة الضمان فلا تخول للطرف المضرور إلا الحصول على التعويضات[110]. وهو نفس ما ذهبت إليه اتفاقية فيينا، ومن قبلها اتفاقية لاهاى، من عدم السماح بفسخ العقد إلا إذا ارتكب المتعاقد مخالفة جوهرية، أما المخالفة غير الجوهرية فإن ارتكابها لا يؤدى إلى السماح بالفسخ.

21- تعريف الشرط والضمان: يمكن تعريف الشرط condition بأنه اشتراط عقدى له أهمية حيوية لاتصاله بالغرض الأساسى من العقد، ويترتب على الإخلال به حق الطرف الآخر فى فسخ العقد. أما الضمان Warranty فيعرف بأنه اشتراط عقدى مكمل ليس له فى ذاته إلا أهمية ثانوية، ولا يترتب على الإخلال به سوى حق المتعاقد الآخر فى المطالبة بالتعويضات[111].

وتعتمد التفرقة بين الشرط والضمان أساساً على تفسير بنود العقد للوصول إلى قصد المتعاقدين من كل بند فيه فى ضوء الظروف والملابسات المحيطة به[112]، دون تقيد بوصفهما لهذا البند أو ذاك[113].

وعلى سبيل المثال، يُعد الزمن دائماً، فيما يتعلق بالتزامات البائع، من الأمور الجوهرية فى العقد، أى أنه يُعد شرطاً ما لم يتفق على خلاف ذلك [114] . وكذلك تُعد شروطاً وفقاً لقانون بيع البضائع الإنجليزى التزامات البائع التى تتعلق بنوعية البضاعة وصلاحيتها ومطابقتها للوصف المتفق عليه، مما يعنى أن البائع يجب أن ينفذ هذه الالتزامات بدقة وأن أى إخلال بها يجيز للمشترى عدم قبول البضاعة [115] . وفيما يتعلق بالتزامات المشترى، يعد التزامه بقبول البضاعة أو استلام المستندات وفقاً للبيع سيف c.i.f. أمراً  جوهرياً فى العقد، أى أنه يعد شرطاً. أما وقت سداد الثمن فليس جوهرياً، فلا يعد شرطاً ما لم يتفق على خلاف ذلك [116] .

22- الشروط الجوهرية والشروط المتوسطة: وبالإضافة إلى التقسيم التقليدى للالتزامات العقدية فى القانون الإنجليزى إلى شروط وضمانات، ذهبت أحكام قضائية عديدة فى إنجلترا فى الخمسينات والستينات إلى أن هناك التزامات عقدية أخرى تفوق أهميتها الشروط تسمى الشروط الجوهرية Fundamental terms، كما أن هناك التزامات أخرى تأتى فى مرتبة وسط
بين الشروط والضمانات تسمى الشروط المتوسطة أو التى لا يمكن تصنيفها
intermediate or innominate terms [117] .

23- أثر الإخلال بشرط متوسط: والإخلال بشرط من الشروط المتوسطة لا يعطى الحق فى فسخ العقد إلا إذا وصل إلى درجة كبيرة من الجسامة تبرر الفسخ، وقد استخدم لوصف هذا الإخلال الجسيم اصطلاح المخالفة الجوهرية Fundamental breach. وهذه المخالفة الجوهرية يجب أن يترتب عليها حرمان الطرف المضرور بصفة أساسية من كل المنفعة
التى يقصد الطرفان حصوله عليها من تنفيذ الالتزام. لذلك نجد أن القضايا التى حكم فيها بأن المخالفة المرتكبة لشرط متوسط هى مخالفة جوهرية عددها قليل للغاية [118] .

ويمكن أن تتضح فكرة الشروط المتوسطة أو غير المصنفة بالرجوع إلى قضية: Cehave N.V.v. Bremer Handelsgesellschaft m.b.H, The Hans Nord والتى تخلص وقائعها فى أن شركة Bremer Handelsgesellschaft الألمانية باعت كمية من حبوب البرتقال الأمريكى U.S. orange pellets إلى شركة Cehave الهولندية، تسليم سيف c.i.f. ميناء روتردام Rotterdam، لاستعمالها فى صناعة طعام للماشية، وتضمن العقد شرط "تسليم البضاعة بحالة مطابقة" Shipment to be made in good condition. وتم تسليم البضاعة فعلاً مطابقة للعقد لكن جزءاً صغيراً منها تعرض للتلف، فرفضت الشركة المشترية البضاعة كلها وتم بيعها بطريق المزاد العلنى فى روتردام، وفى هذا المزاد قامت الشركة المشترية بشراء البضاعة بثمن أقل من سعر الشراء الأصلى، واستعملت البضاعة فى صناعة طعام الماشية بمصانعها. وقد قضت محكمة الاستئناف عام 1975 أن الاتفاق فى العقد على أن الشحنة لابد أن تصل فى حالة مطابقة لا يعنى أن هذا البند
يعد شرطاً
Condition وفقاً لقانون بيع البضائع، ولكنه يعد من الشروط غير المصنفة Innominate term. وقال فى ذلك Lord Denning: "إذا كان عدم المطابقة يتعلق فقط بجزء صغير من البضاعة، فإن مواجهتها تكون بإنقاص الثمن. ولا يكون للمشترين الحق فى رفض البضاعة بأكملها إلا إذا كان عدم المطابقة جوهرياً" [119] . وقضت المحكمة بالبناء على ذلك بعدم أحقية المشترين فى رفض البضاعة بأكملها [120] .

24- أثر الإخلال بشرط جوهرى: أما الإخلال بالشرط الجوهرى فيجيز فسخ العقد كالإخلال بالشرط condition، لكن الأول يتميز بأنه لا يجوز الاتفاق على الإعفاء من المسئولية عنه. فشرط الإعفاء من المسئولية، مهما كانت
درجة اتساعه لا يعفى الطرف المخالف من مسئوليته عن الإخلال بشرط جوهرى فى العقد [121] . فالقصد من ابتكار هذه التفرقة هو مواجهة تزايد شروط الإعفاء من المسئولية غير العادلة وغير المقبولة [122] .

لكن هذه التفرقة تم هجرها الآن بعد صدور تشريعات قصد منها حماية المتعاقد من شروط الإعفاء من المسئولية غير العادلة [123] . وتمكن القضاء عن طريقها من مواجهة هذه الشروط دون حاجة إلى اللجوء إلى
التفرقة الأولى [124] .

25- تغير الظروف وأثره فى تنفيذ الالتزام: وإذا كان المتعاقد يعد مسئولاً عن عدم تنفيذ التزامه، فيفسخ العقد إذا كان عدم التنفيذ لشرط فى العقد أو كان عدم التنفيذ جوهرياً لشرط من الشروط المتوسطة، أو يقضى عليه بالتعويض فقط إذا كان عدم التنفيذ لضمان. فإنه يمكن أن يعفى من تنفيذ التزامه وفقاً لنظرية Frustration، إذا تغيرت الظروف التى يتم تنفيذ العقد فيها بصورة كلية وجازمة، إلى درجة تؤثر بشدة فى اقتصاديات العقد. ففى هذه الحالة لا تصبح التزامات المتعاقد واجبة التنفيذ، وتقدر المحكمة الموقف بالبناء على ذلك [125] .

والحادث الذى يترتب عليه تطبيق نظرية Frustration هو الذى يؤدى إلى استحالة تنفيذ الالتزام. وكان القضاء الإنجليزى يرتب عليه انقضاء الالتزام بخصوص الجزء منه الذى لم يتم تنفيذه، أما ما تم تنفيذه قبل ذلك فيظل صحيحاً.

فلا يؤدى هذا الحادث إلى انقضاء الالتزام كله إلا إذا وقع قبل البدء فى تنفيذه. ولكن نظراً لما كان يؤدى إليه هذا الحكم من الإخلال بتوازن العقد، حيث يعفى المدين من التزامه ولا ينظر إلى ما قد يكون الدائن قد نفذه من التزاماته أو أنفقه فى سبيل ذلك. فصدر لمعالجة هذا العيب فى عام 1943 قانون عرف باسم Frustrated contracts act، والذى منح القاضى سلطة تقديرية لتوزيع تبعة الحادث الطارئ بين طرفى العقد، بحيث يعيد التوازن بينهما [126] .

وقد تضمن قانون بيع البضائع الإنجليزى لعام 1979 حكماً واحداً بخصوص استحالة التنفيذ بسبب هلاك البضاعة، نص فيه على أن العقد إذا كان خاصاً ببيع بضائع معينة بالذات ثم هلكت، دون أى خطأ ينسب إلى
البائع أو المشترى، وكان ذلك قبل انتقال تبعتها إلى المشترى، فإن العقد يفسخ بسبب ذلك [127] .

وهذا الحكم لا يطبق إلا فى نطاق ضيق نسبياً، إذ يقصر على عقود بيع البضائع المعينة بالذات والتى لم تنتقل تبعة هلاكها إلى المشترى [128] ، لكن ما يميزه أنه لم يكتف بتقرير أن البائع هو الذى يتحمل مسئولية هلاك البضاعة إذا لم تنتقل تبعتها إلى المشترى، وإنما أضاف أن العقد يتم فسخه فى هذه الحالة، مما يعنى إعفاء كل طرف من التزاماته، فلا يكون المشترى مسئولاً
عن دفع الثمن فى مواجهة البائع، ولا يكون البائع مسئولاً عن التسليم فى مواجهة المشترى [129] .

26- الخلاصة: نخلص من ذلك إلى أن القانون الإنجليزى يفرق فى نطاق الالتزامات العقدية بين الشرط condition والضمان warranty، ويسمح بالفسخ فى حالة الإخلال بشرط بينما لا يسمح سوى بالتعويض إذا كان
الإخلال بضمان. وقد يسمح بالفسخ أيضاً إذا كان الإخلال جوهرياً بشرط من الشروط المتوسطة أو غير المصنفة
intermediate or innominate terms. ويعفى المتعاقد من تنفيذ التزاماته، فلا يتحمل أى مسئولية قبل المتعاقد الآخر، إذا توافرت شروط تطبيق نظرية Frustration، فيعيد القضاء توزيع التبعات بين الطرفين. بل قد يؤدى تطبيق هذه النظرية إلى فسخ العقد، كما فى حالة بيع بضائع معينة بالذات وهلاكها قبل انتقال التبعة إلى المشترى.


المبحث الثانى

القانون المصرى

27- أجاز القانون المصرى، فى العقود الملزمة للجانبين، للمتعاقد أن يطالب بفسخ العقد، إذا لم يوف المتعاقد الآخر بالتزامه [130] . ولم يحدد القانون درجة الجسامة التى ينبغى أن يصل إليها عدم التنفيذ تاركاً ذلك لسلطة القاضى التقديرية. فإخلال المدين بالتزامه الناشئ من العقد هو الشرط الأساسى للفسخ، سواء كان هذا الإخلال كلياً بأن يمتنع المدين عن الوفاء بالتزامه كله، أو جزئياً بأن يوفى بجزء من الالتزام ويمتنع عن الوفاء بجزء آخر، وكل ما يشترط فى هذا الإخلال أن يكون قد وقع فعلاً [131] .

بل قد يتحقق الإخلال قبل حلول أجل الالتزام إذا أعلن المدين بصورة جازمة أنه لن ينفذ التزامه عند حلول أجله [132] .

28- الفسخ القضائى: وإذا طلب الفسخ من القضاء، فإن القاضى ليس ملزماً بإجابة هذا الطلب، فقد يحكم بالفسخ إذا اتضح له تعمد المدين عدم تنفيذ التزامه أو إهماله فى ذلك إهمالاً واضحاً رغم إعذار الدائن له، وقد يرفض الفسخ كليةً ويستبقى العقد إذا كان ما لم يوف به المدين قليل الأهمية بالنسبة إلى الالتزام فى جملته، وقد لا يحكم بالفسخ ويعطى المدين أجلاً لتنفيذ التزامه
إذا وجد له عذراً فى تأخره عن تنفيذه [133] .

ولا يكفى للحكم بالفسخ أن يكون الفسخ وارداً على عقد ملزم للجانبين، وأن يكون عدم التنفيذ راجعاً إلى غير السبب الأجنبى، وإنما يشترط أيضاً أن يكون طالب التنفيذ مستعداً للقيام بالتزامه الذى نشأ عن العقد والمتفق
على المبادرة إلى تنفيذه من يوم تحريره، فإذا كان قد أخل هو بالتزامه هذا فلا يحق له أن يطلب فسخ العقد لعدم قيام الطرف الآخر بتنفيذ ما فى ذمته من الالتزام [134] .

ويتعين لإجابة طلب الفسخ أن يظل الطرف الآخر متخلفاً عن الوفاء بالتزامه حتى صدور الحكم النهائى، وله أن يتوقى صدور هذا الحكم بتنفيذ التزامه إلى ما قبل صدوره، ويستوى فى ذلك أن يكون حسن النية أو سيئ  النية إذ محل ذلك لا يكون إلا عند النظر فى دعوى التعويض عن التأخير فى تنفيذ الالتزام [135] .

لكن سلطة القاضى التقديرية فى القضاء بالفسخ لا تثبت له إذا كان عدم التنفيذ كلياً، فإذا طلب الدائن الفسخ فى هذه الحالة يتعين على القاضى أن يستجيب لطلبه ما دام المدين مصراً على عدم التنفيذ [136] .

29- معيار عدم التنفيذ الموجب للفسخ: ولم يحدد القانون المعيار الذى يستند إليه القاضى لتقدير عدم التنفيذ وما إذا كان موجباً للحكم بالفسخ أم لا، وقد ظهر فى الفقه معياران: الأول هو المعيار الشخصى والذى يقوم على الاعتداد بنية الدائن بخصوص الالتزام الذى لم يتم تنفيذه، فإذا أدى عدم التنفيذ إلى ضياع المنفعة التى يبتغيها الدائن من تنفيذه التزامه أصبح الحكم
بالفسخ واجباً [137] .

والمعيار الثانى هو المعيار الموضوعى، وهو لا يبحث فى نية العاقدين، ولكن يقوم عند البعض على الاعتداد بكمية ما تم تنفيذه، فإذا كان ما تخلف المدين عن تنفيذه من ناحية الكم يصل إلى درجة من الأهمية بحيث يترتب عليه فوات المنفعة من العقد كان للقاضى أن يحكم بالفسخ [138] . بينما يقوم عند البعض الآخر على التفرقة بين الالتزامات الجوهرية والالتزامات التبعية، والالتزامات الجوهرية هى التى يكون وجودها لازماً لوجود العقد، أو التى تعتبر وسائل أساسية لتحقيق النتيجة المبتغاة من العقد، وما عدا ذلك تعد التزامات تبعية. ويؤدى الإخلال بالالتزامات الجوهرية إلى القضاء بالفسخ، بينما لا يؤدى إلى ذلك الإخلال بالتزامات تبعية [139] .

30- موقف القانون المصرى من المعيارين الشخصى والموضوعى: أخذ القانون المصرى بالمعيار الموضوعى والمتمثل فى كمية ما تم تنفيذه عندما أجاز للقاضى رفض الفسخ إذا كان ما لم يوف به المدين قليل الأهمية بالنسبة إلى الالتزام فى جملته [140] . ولإجراء هذا التناسب ينظر إلى الالتزامات كلها التى يفرضها العقد على المدين، فإذا كان ما لم يف به المدين منها قليل الأهمية كان للقاضى أن يرفض الفسخ، كما إذا تخلف المشترى عن دفع جزء قليل من الثمن، أو سلم البائع جزءاً ضئيلاً من البضاعة غير مطابق، أو كان المتعاقد قد وفى بكل التزاماته الأساسية ولم يتخلف إلا عن الوفاء بالتزام تبعى [141] .

لكن رغم ذلك نجد أن القانون المصرى قد أورد نصوصاً أخرى يظهرمنها أخذه بالمعيار الشخصى المتمثل فى البحث عن نية المتعاقد، فالمشترى لا يجوز له أن يطلب فسخ العقد لنقص فى المبيع إذا عين فى العقد مقداره إلا
إذا أثبت أن هذا النقص من الجسامة بحيث لو أنه كان يعلمه لما أتم العقد [142] . ولا يستطيع المشترى أن يطلب فسخ البيع، إذا  نقصت قيمة المبيع قبل التسليم لتلف أصابه، إلا إذا كان النقص جسيماً بحيث لو طرأ قبل العقد
لما أتم البيع [143] . وفى حالة الاستحقاق الجزئى للمبيع لا يحق للمشترى المطالبة بالمبالغ التى حددها القانون [144] ، إلا إذا كانت خسارته من ذلك قد بلغت قدراً لو عمله لما أتم العقد [145] .

31- ووضع القانون التجارى المصرى الجديد ضابطاً للقضاء بالفسخ فى حالة عدم مطابقة البضاعة، يتمثل فى عدم صلاحية المبيع للغرض الذى أعده له المشترى أو صعوبة تصريفه. فإذا تبين بعد تسليم المبيع أن كميته أو صنفه أقل مما هو متفق عليه أو أن به عيباً أو أنه غير مطابق للشروط أو العينة التى تم العقد بمقتضاها، فلا يقضى للمشترى بالفسخ إلا إذا نشأ عن النقص أو العيب أو عدم المطابقة عدم صلاحية المبيع للغرض الذى أعده له المشترى أو صعوبة تصريفه، ما لم يوجد اتفاق أو عرف يقضى بوجوب الفسخ [146] .

32- ونخلص إلى القول بأن القانون المصرى لم يقتصر على الأخذ بالمعيار الموضوعى وحده فى تقدير جسامة عدم التنفيذ الجزئى للالتزام، وإنما أوجب أيضاً الأخذ بالمعيار الشخصى والذى يعتد فيه بنية المتعاقدين. وفى كل الأحوال يجب على القاضى سواء أخذ بالمعيار الموضوعى أو الشخصى أن يأخذ فى الاعتبار مصلحة الدائن ومدى تأثير عدم التنفيذ على هذه المصلحة [147] .

33- استحالة تنفيذ الالتزام وأثرها: وإذا استحال على المتعاقد تنفيذ التزامه بسبب أجنبى لا يد له فيه انقضى هذا الالتزام [148] . وإذا انقضى الالتزام على هذا النحو بسبب استحالة تنفيذه انقضت معه الالتزامات المقابلة
له وانفسخ العقد من تلقاء نفسه [149] .

فعقد البيع ينفسخ حتماً من تلقاء نفسه بسبب استحالة تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزامه بسبب أجنبى، ويترتب على الانفساخ ما يترتب على الفسخ من عودة المتعاقدين إلى الحالة التى كانا عليها قبل العقد، ويتحمل تبعة الاستحالة في هذه الحالة المدين بالالتزام الذى استحال تنفيذه عملاً بمبدأ تحمل التبعة في العقد الملزم للجانبين [150] .

والمقصود بالاستحالة التى ينقضى بها الالتزام هو الاستحالة المطلقة لطروء قوة قاهرة أو حادث طارئ لا قبل للملتزم بدفعه أو توقعه [151] .


وعلى ذلك يشترط لإنفساخ العقد فى هذه الحالة أن يقع حادث يترتب عليه أن يصير تنفيذ الالتزام مستحيلاً، أما إذا اقتصر أثره على جعل التنفيذ مرهقاً للمدين فلا ينفسخ العقد. ويشترط ثانياً أن يكون هذا الحادث بسبب أجنبى لا يد للمدين فيه، ويكون الحادث أجنبياً عن فعل المدين إذا وقع بقوة قاهرة أو بفعل الغير أو بخطأ الدائن. ويجب لاعتبار الحادث قوة قاهرة اجتماع صفتين فيه: أن يكون مما لا يمكن توقعه وقت التعاقد، وأن يكون من غير الممكن دفعه. فإذا توافرت هذه الشروط ترتب على استحالة التنفيذ انقضاء الالتزام [152] .

ولا تتوافر الاستحالة إذا كان محل الالتزام شيئاً معيناً بالنوع، إذا يمكن دائماً توفير بضاعة من نفس النوع الذى هلك. لكن إذا كانت هذه البضاعة غير موجودة فى الأسواق، كما لو كان قد صدر قرار بحظر استيرادها، فإن الاستحالة تتوافر. كما تتوافر الاستحالة أيضاً إذا اشترط أن تكون البضاعة المعينة بالنوع من مصدر معين وتعذر بصورة مطلقة الحصول عليها من هذا المصدر [153] .

ولا يترتب على استحالة التنفيذ انفساخ العقد إلا إذا كانت نهائية، أما إذا كانت مؤقتة فإن العقد لا ينفسخ وإنما يقف تنفيذه حتى تزول هذه الاستحالة. ويترتب على وقف العقد عدم تنفيذه خلال فترة الاستحالة، فإذا زالت عاد تنفيذه كما كان. فالوقف هنا لا يمس العقد فى وجوده، وإنما يصيب الالتزامات الناشئة عنه فيوقف تنفيذها [154] .

34- الدفع بعدم التنفيذ: وقد يمتنع المدين عن تنفيذ التزامه، ولا تترتب مسئوليته عن هذا الامتناع، إذا كان بسبب عدم قيام المتعاقد الآخر بتنفيذ ما التزم به [155] . فيكون للمتعاقد فى العقود الملزمة للجانبين، إذا كانت الالتزامات المتقابلة مستحقة الوفاء، الحق فى الامتناع عن تنفيذ التزامه إذا لم يقم المتعاقد الآخر بتنفيذ ما التزم به [156] .

ويشترط لاستعمال الدفع بعدم التنفيذ فى هذه الحالة أن يكون الالتزام الذى يدفع بعدم تنفيذه مستحق الوفاء، أى واجب التنفيذ حالاً، فإذا كان العقد يوجب على أحد العاقدين أن يبدأ بتنفيذ التزامه قبل المتعاقد الآخر فلا يحق للمتعاقد المكلف بالتنفيذ أولاً أن ينتفع بهذا الدفع [157] .

ولا يمنع حلول الالتزام أن يكون القاضى قد منح المدين نظرة ميسرة délai de grâce، فللبائع أن يحبس المبيع حتى يستوفى الثمن من المشترى حتى ولو منح القاضى المشترى أجلاً لدفع الثمن، ولا يمتنع الحبس إلا إذا كان الأجل ثابتاً باتفاق الطرفين [158] .

ويتعين للتمسك بالدفع بعدم التنفيذ فى العقود الملزمة للجانبين ألا يكون المتمسك به قد أخل بالتزامه عمداً أو قصر فى الوفاء به وجحد تعهده وأعرب فى جلاء ووضوح عن نيته فى عدم الوفاء به عيناً [159] .

ويترتب على التمسك بالدفع بعدم التنفيذ وقف تنفيذ التزام الطرف المتمسك به، لكن العقد يظل باقياً، فيمتنع المشترى عن دفع الثمن حتى ينفذ البائع التزامه بالتسليم. ويظل العقد موقوفاً حتى ينفذ المتعاقد الآخر التزامه المقابل، لكنه إذا رفض واستمر فى عدم تنفيذه لالتزامه كان من حق المتعاقد المتمسك بالدفع المطالبة بفسخ العقد [160] .

35- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن القانون المصرى لا يعرف فكرة مماثلة لفكرة المخالفة الجوهرية التى أخذت بها اتفاقية فيينا. وقد أجاز الفسخ فى حالة عدم تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزامه، وترك للقاضى السلطة التقديرية للحكم بالفسخ أو رفضه. ولم يحدد المعيار الذى يتبعه القاضى فى ذلك، لكنه أورد نصوصاً أخذ فى بعضها بالمعيار الموضوعى وفى بعض آخر بالمعيار الشخصى، مما يدل على ضرورة استعانة القاضى بالمعيارين معاً. وقد يكون عدم التنفيذ مؤدياً إلى انفساخ العقد بقوة القانون إذا كان بسبب أجنبى لا يد للمدين فيه. كما قد يمتنع المدين عن تنفيذ التزامه إذا كان المتعاقد الآخر لم ينفذ الالتزام المقابل له، وإما أن يؤدى ذلك إلى تنفيذ الالتزام أو فسخ العقد.


الفرع الثانى

المخالفــــــة الجوهريــــة
فـى اتفاقيـة لاهـاى

36- ابتكرت اتفاقية لاهاى لسنة 1964 فكرة المخالفة الجوهرية، ووضعت لها نظاماً قانونياً ربطت فيه بين ارتكابها وفسخ العقد. فأجازت الفسخ إذا كانت المخالفة جوهرية، بينما منعته واكتفت بتعويض الطرف المضرور إذا كانت المخالفة غير جوهرية [161] .

وقد اتجه الرأى فى البداية إلى ربط الفسخ بالإخلال بالتزام جوهرى فى العقد، وهذا الالتزام هو الذى بدونه ما كان المتعاقد ليبرم العقد. لكن تم العدول عن هذا الرأى بعد أن ساد اتجاه بأن الأوفق هو النظر إلى جسامة الإخلال وليس إلى أهمية الالتزام الذى حدث الإخلال به، فقد يكون الالتزام جوهرياً  لكن لا يترتب على الإخلال به سوى ضرر يسير لا يبرر الفسخ [162] .

وأخذاً بهذا الاتجاه عرفت اتفاقية لاهاى المخالفة الجوهرية بنصها على أن "تكون مخالفة العقد جوهرية فى حكم هذا القانون إذا كان المتعاقد الذى تخلف عن التنفيذ يعلم أو كان ينبغى أن يعلم وقت إبرام العقد أن شخصاً عاقلاً من صفة المتعاقد الآخر وفى مركزه ما كان ليرضى بإبرام العقد إذا علم بالمخالفة وآثارها" [163] .

فاعتمد تعريف المخالفة الجوهرية بذلك على عناصر ثلاثة: الأول هو أن يصدر إخلال بالعقد من أحد المتعاقدين، والثانى هو أن يترتب على هذا  الإخلال ضرر يلحق بالمتعاقد الآخر، والثالث هو العلم بهذه المخالفة وآثارها وقت إبرام العقد.

عناصر المخالفة الجوهرية:

37-  1  الإخلال بالعقد: فيجب أولاً أن يصدر عن أحد المتعاقدين إخلال بالعقد، ويتمثل هذا الإخلال فى عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه أو تنفيذه على نحو معيب يخالف ما اتفق عليه فى العقد. فلا يلزم إذن أن يصدر عن الطرف المخالف خطأ لترتيب مسئوليته عما حدث من إخلال، وإنما يكفى إثبات وجود هذا الإخلال المتمثل فى عدم تنفيذ العقد، فلا تأخذ اتفاقية لاهاى على هذا  النحو بفكرة إثبات الخطأ التى تأخذ بها بعض التشريعات الوطنية ومنها القانون الألمانى، حيث يُعد الخطأ فيه كقاعدة عامة شرطاً جوهرياً لانعقاد مسئولية البائع ما لم ينص على خلاف ذلك [164] .

لكن اتفاقية لاهاى أخذت مع ذلك بفكرة الخطأ فيما يتعلق بمسئولية البائع عن العيب بعد انتقال تبعة الهلاك، فيكون البائع مسئولاً عن آثار عدم المطابقة الذى يحدث بعد انتقال تبعة الهلاك إذا أمكن نسبة هذا العيب إلى فعل البائع أو إلى فعل الأشخاص الذين يسأل عنهم [165] . والقصد من ذلك عدم تحميل البائع المسئولية عن عيوب تظهر بعد تسليم المبيع دون أن يثبت أنها عيوب قديمة منسوبة إليه أو إلى فعل مستخدميه، إذ قد تكون عيوباً حديثة نشأت بفعل المشترى نفسه أو بفعل مستخدميه [166] . فعادت بذلك اتفاقية لاهاى إلى فكرة الخطأ والتى تقوم على ضابط شخصى يتمثل فى إثبات صدور خطأ ينسب إلى البائع أو أحد تابعيه [167] .

38-  2  الضرر: ويجب ثانياً أن يترتب على هذا الإخلال ضرر يلحق بالمتعاقد الآخر، ويتمثل هذا الضرر فى أن يفقد الطرف المضرور كل مصلحة له فى العقد بسبب المخالفة التى ارتكبت، بحيث أنه ما كان ليرضى بإبرام العقد لو علم بهذه المخالفة وآثارها لأنه كان يعلق على تنفيذ العقد أهمية خاصة [168] .

3 -  3  العلم بالمخالفة: ويجب ثالثاً أن يعلم الطرف المخالف - أو كان ينبغى له أن يعلم - أن المتعاقد الآخر ما كان ليبرم العقد لو علم وقت التعاقد بالمخالفة وآثارها. فلم تكتف الاتفاقية هنا بالعلم الحقيقى للطرف المخالف وإنما أضافت إليه العلم المفترض والذى يستخلص من ظروف التعاقد [169] .

واستعانت الاتفاقية بالإضافة إلى هذا الضابط الشخصى المتمثل فى علم الطرف المخالف، بضابط موضوعى يتمثل فى علم الشخص العاقل Personne raisonnable الذى يكون من صفة المتعاقد الذى يلجأ إلى الفسخ وفى نفس مركزه. فإذا كان الطرف المخالف يعلم أو كان ينبغى له أن يعلم أن مثل هذا الشخص ما كان ليرضى بالتعاقد لو علم بالمخالفة وآثارها جاز الفسخ، وإلا
كان الفسخ غير جائز [170] .

وإذا كان التعويل على معيار الشخص العاقل فى هذا التعريف قد أكسبه قدراً من الموضوعية، إلا أنه أخذ عليه اشتراط البحث عن علم الشخص العاقل وقت إبرام العقد، دون نظر إلى المتغيرات التى قد تحدث وقت ارتكاب المخالفة وتؤدى إلى اختلاف ظروف السوق عن وقت إبرام العقد، مما يجعل إعمال القاضى لهذا المعيار أمراً صعباً [171] . كما أنه لا يتصور أن يقدم تاجر على إبرام عقد بيع مع آخر، سواء كان بائعاً أو مشترياً، وهو يعلم أن إخلالاً بتنفيذ العقد سوف يحدث، إذ لو توقع هذا الإخلال لما أقدم على التعاقد أصلاً [172] .

40- مثال للمخالفة الجوهرية: وتطبيقاً لتعريف المخالفة الجوهرية سالف البيان، فإنه إذا تعاقد شخص يعمل فى تجارة السلع الغذائية على شراء وحدات إضاءة كهربائية لاستعمالها فى إنارة معرض يقوم بتنظيمه خلال فترة معينة، وذكر ذلك فى العقد، ثم تأخر البائع فى توريد هذه الوحدات إلى ما بعد انتهاء فترة المعرض، فإن المخالفة التى ارتكبها البائع فى هذه الحالة تُعد مخالفة جوهرية، لأنه يعلم يقيناً أن المشترى لو كان يعلم بهذا التأخير عند التعاقد لما أبرم العقد، ولا يمكن أن يقدم على ذلك أى شخص عاقل من صفة المشترى إذا وجد فى نفس ظروفه، لأنه لن يستفيد من الوحدات المبيعة بعد انقضاء فترة المعرض، كما أنه لن يستطيع تصريفها لأن ليس بائعاً لمثل هذا الصنف [173] .

41- أثر الإخلال الجوهرى بالالتزام بمكان التسليم والمطابقة: وإذا كانت اتفاقية لاهاى قد وضعت بذلك قاعدة عامة للفسخ مفادها أن الإخلال الجوهرى بأى التزام من الالتزامات يجيز للطرف المضرور اعتبار العقد مفسوخاً، إلا أنها خرجت على هذا الأصل فى حالتين هما: الإخلال بالالتزام بتسليم المبيع فى المكان المتفق عليه، والإخلال بالالتزام بالمطابقة. فالإخلال الجوهرى بمكان التسليم لم ترتب عليه الاتفاقية الحق فى فسخ العقد إلا إذا صاحبه إخلال جوهرى بميعاد التسليم [174] . وكذلك الإخلال بالالتزام بالمطابقة لا يكفى وحده لإعمال حق الفسخ إذا كان جوهرياً وإنما يجب أن يصاحبه إخلال جوهرى بميعاد التسليم [175] .

ويرجع ذلك إلى أن الإخلال بمكان التسليم يمكن دائماً تداركه بإعادة المبيع إلى المكان المتفق عليه فى العقد، أما إذا صاحب ذلك إخلال بميعاد التسليم فإن هذه الإعادة تتعذر لفوات الميعاد المتفق عليه ولما قد يترتب عليها من تأخير غير معقول ولا مقبول [176] . كما أن الإخلال بالالتزام بالمطابقة حتى لو كان جوهرياً فإنه يمكن إصلاحه، أما إذا صاحبه إخلال بميعاد التسليم فإن هذا الإصلاح لن يكون مجدياً [177] .

42- إعفاء الطرف المخالف من المسئولية: يعفى المتعاقد من المسئولية عن عدم تنفيذ التزامه إذا أثبت أن عدم التنفيذ راجع إلى ظروف لم يكن من واجبه - وفقاً لمقاصد المتعاقدين وقت إبرام العقد - توقعها أو توقيها أو تخطيها، وإذا تعذر استظهار مقاصد المتعاقدين وقت إبرام العقد كانت العبرة بما يقصده عادة أشخاص عقلاء Personnes raisonnables من صفة المتعاقدين إذا وجدوا فى نفس الظروف [178] .

وهذا الإعفاء هو تطبيق لمبدأ القوة القاهرة La force majeurs المعروف فى التشريعات المختلفة، لكن اتفاقية لاهاى لم تستخدم أحداً من الاصطلاحات المعروفة فى هذه التشريعات لعدم التأثر بمفهومها فيها، وتناولت هذا الموضوع تحت مسمى "الإعفاء"l'exonération.

ويشترط فى الحادث الذى يؤدى إلى الإعفاء من المسئولية أن يكون غير متوقع وقت إبرام العقد، أى لا يتصور المتعاقدان حدوثه وأنه سوف يؤثر على علاقتهم العقدية. وأن يتعذر على المتعاقدين تجنبه، فإذا أمكن لأيهما منع وقوع الحادث أو تفادى آثاره على العلاقة التعاقدية فلا يكون مؤدياً إلى الإعفاء من المسئولية. كما يشترط أخيراً أن يتعذر التغلب على الحادث أو تخطيه، أى أن يبذل المتعاقد جهده لمواجهة الحادث وتنفيذ التزاماته [179] .

ويجب لتقدير توافر حالة الإعفاء الرجوع إلى ما قصده المتعاقدان وقت إبرام العقد، فإذا تعذر معرفة قصد المتعاقدين فى ذلك الوقت يرجع إلى ما قد يقصده أشخاص عقلاء من صفة المتعاقدين إذا وجدوا فى نفس الظروف، والأشخاص العقلاء هم التجار متوسطو الحرص الذين يمارسون نفس التجارة بأمانة وشرف [180] .

والأصل أن الظروف التى يترتب عليها الإعفاء من المسئولية إذا كانت مؤقتة، فإن المتعاقد لا يعفى من المسئولية نهائياً وإنما يوقف التنفيذ حتى تنتهى هذه الظروف فيعود واجباً كما كان. لكن هذه الظروف المؤقتة مع ذلك قد تؤدى إلى إعفاء المتعاقد كليةً من التنفيذ إذا كان تأجيل تنفيذ الالتزام يحدث تغييراً جوهرياً فيه بحيث يصير مختلفاً تماماً عن التنفيذ المنصوص
عليه فى العقد [181] .

ولا يترتب على توافر هذه الظروف سوى إعفاء المتعاقد الذى تخلف عن التنفيذ من التعويض، لكنها لا تمنع فسخ العقد أو استعمال أى من الحقوق الأخرى التى قررتها الاتفاقية فى حالة التخلف عن التنفيذ، إلا إذا كانت الظروف التى حالت دون التنفيذ قد نتجت عن فعل هذا المتعاقد أو الأشخاص الذين يسأل عنهم [182] .

43- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن اتفاقية لاهاى اشترطت ارتكاب مخالفة جوهرية للسماح بفسخ العقد، واعتبرت أن المخالفة تكون جوهرية إذا كان المتعاقد الذى تخلف عن التنفيذ يعلم أو كان ينبغى له أن يعلم وقت إبرام العقد أن شخصاً عاقلاً من صفة المتعاقد الآخر وفى مركزه ما كان ليرضى بإبرام العقد إذا علم بالمخالفة وآثارها. وقد انتقد هذا التعريف لغلبة الطابع الشخصى عليه ولاشتراط البحث عن العلم بالمخالفة وآثارها وقت التعاقد. ورتبت اتفاقية لاهاى على ارتكاب المخالفة الجوهرية فسخ العقد فى جميع الأحوال، حتى ولو كان عدم تنفيذ الالتزام بسبب استحالة تنفيذه، إذ كل ما يترتب على استحالة التنفيذ هو إعفاء المتعاقد الذى تخلف عن التنفيذ من التعويض، إلا إذا كانت هذه الاستحالة ناتجة عن فعل هذا المتعاقد أو الأشخاص الذى يسأل عنهم.


الفرع الثالث

المخالفــــــة الجوهريــــة
فـى اتفاقيــة فيينــا

44- تمهيد وتقسيم: تعرض تعريف المخالفة الجوهرية فى اتفاقية لاهاى لانتقادات شديدة، إذ اعتبر المعيار الذى اعتمدت عليه شديد الشخصية [183] . لذلك كان هذا التعريف من أكثر الموضوعات التى أثارت مناقشات طويلة على مدى عشر سنوات من الأعمال التحضيرية [184] . ووصل الأمر أخيراً إلى التعريف الذى تبنته اتفاقية فيينا والذى جاء كحل وسط للتوفيق بين الاقتراحات العديدة التى قدمت فى هذا الشأن [185] .

ووفقاً للتعريف الذى أخذت به اتفاقية فيينا تكون مخالفة العقد من جانب أحد الطرفين جوهرية "إذا نتج عنها ضرر للطرف الآخر يحرمه بشكل أساسى substantiellement مما كان من حقه أن يتوقع الحصول عليه من إبرام العقد، إلا إذا كان الطرف المخالف لم يتوقع مثل هذه النتيجة وما كان ليتوقعها أى شخص سوى الإدراك Personne raisonnable من صفة الطرف المخالف de même qualité إذا وجد فى نفس الظروف [186] .

ونتكلم فى مبحث أول عن عناصر المخالفة الجوهرية فى اتفاقية فيينا، وفى مبحث ثان عن تطبيقات لفكرة المخالفة الجوهرية، وفى مبحث ثالث نتكلم عن تقدير فكرة المخالفة الجوهرية.

المبحث الأول

عناصر المخالفة الجوهرية
فى اتفاقية فيينا

45- يستخلص من التعريف الذى أخذت به اتفاقية فيينا للمخالفة الجوهرية أنه يشترط للقول بارتكاب أحد المتعاقدين مخالفة جوهرية للعقد توافر ثلاثة عناصر: الأول أن يرتكب هذا المتعاقد مخالفة للعقد، والثانى أن ينتج عن هذه المخالفة ضرر جوهرى بالمتعاقد الآخر، والثالث أن يكون هذا الضرر متوقعاً. ونتكلم عن هذه العناصر تباعاً.


المطلب الأول

الإخلال بالعقد

46- الأصل أن ينفذ كل متعاقد ما يقع على عاتقه من التزامات بموجب عقد البيع، لكن قد يخل أحدهما بالتزام من هذه الالتزامات، وفى هذه الحالة تنعقد مسئوليته عن هذا الإخلال. والإخلال بالالتزام إما أن يكون بعدم تنفيذ هذا الالتزام أصلاً كعدم قيام البائع بتسليم البضاعة المبيعة وعدم قيام المشترى بدفع الثمن المتفق عليه، وإما أن يكون بتنفيذ جزء من هذا الالتزام فقط كتسليم جزء من البضاعة المبيعة ودفع جزء من الثمن، أو أن يكون التنفيذ معيباً كتسليم بضاعة غير مطابقة لما اتفق عليه في العقد وسداد المشترى الثمن بغير النقد المتفق عليه فى العقد  [187] . كما يتحقق الإخلال فى حالة التنفيذ المتأخر، إذ أنه قد يؤدى إلى ضياع كل منفعة يقصدها المتعاقد من العقد [188] .

47- أساس مسئولية المتعاقد عن الإخلال بالعقد فى الأنظمة القانونية المختلفة: تختلف الأنظمة القانونية فيما يتعلق بالأساس الذى تبنى عليه مسئولية المتعاقد عن إخلاله بالعقد، فبعضها يرتب مسئولية المتعاقد عن الإخلال بمجرد عدم قيامه بتنفيذ الالتزام دون أن تضع فى اعتبارها فكرة الخطأ Faute. ووفقاً لهذا الاتجاه يكون إثبات عدم التنفيذ كافياً لانعقاد مسئولية الطرف المخالف، والذى لا يجديه فى هذه الحالة أن يثبت عدم ارتكابه أى خطأ، ومن هذه القوانين القانون الإنجليزى.

أما فى أنظمة قانونية أخرى فإن المسئولية تقوم فيها على فكرة الخطأ، فلا يعد عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه سوى قرينة على هذا الخطأ، لكنها قرينة تقبل إثبات العكس، فيجوز للطرف المخالف إثبات أنه لم يرتكب أى خطأ، ويكفيه أن يستطيع نفى الخطأ عن نفسه حتى لا تنعقد مسئوليته. ومن هذه القوانين القانون الألمانى [189] .

48- أساس مسئولية المتعاقد عن الإخلال بالعقد فى اتفاقية فيينا: وقد أخذت اتفاقية فيينا بالاتجاه الأول، فلم تشترط صدور خطأ من الطرف المخالف، وإنما اكتفت بحدوث مخالفة للعقد، أى عدم تنفيذ المتعاقد لأحد التزاماته دون نظر إلى سبب هذه المخالفة [190] . فيكفى إذن إثبات عدم تنفيذ المتعاقد لالتزام من الالتزامات التى تقع على عاتقه بموجب عقد البيع على
النحو سالف البيان دون حاجة إلى إثبات صدور خطأ أو إهمال منه أدى إلى هذه المخالفة [191] .

وقد تبنت قواعد الـ Unidroit هذا المفهوم، واعتبرت أن عدم التنفيذ يعنى إخلال أحد المتعاقدين بتنفيذ أى التزام من التزاماته الواردة فى العقد، ويشمل ذلك التنفيذ المعيب أو التنفيذ المتأخر، ولم يفرق حكمها بين عدم التنفيذ بعذر أو بغير عذر [192] . وأجازت فسخ العقد ولو كان المدين معذوراً فى عدم تنفيذه لالتزامه [193] .

49- ويتفق هذا الاتجاه الذى أخذت به اتفاقية فيينا مع اتجاه القانون الإنجليزى والذى تقوم المسئولية فيه على أساس عدم تنفيذ الالتزام [194] .

فالإخلال بأحد التزامات العقد والذى يوصف بأنه شرط condition يرتب مسئولية المتعاقد المتخلف عن التنفيذ ويجيز للمتعاقد الآخر فسخ العقد، ولا يعفيه من هذه المسئولية سوى إثبات استحالة تنفيذ الالتزام وفقاً لنظرية Frustration [195] .

ويقترب هذا الحل من الحكم فى القانون المصرى، فالخطأ الذى يرتب المسئولية العقدية فى القانون المدنى المصرى هو عدم تنفيذ المدين لالتزامه الناشئ من العقد، يستوى فى ذلك أن يكون عدم التنفيذ راجعاً إلى تعمد المدين ذلك أو إهماله أو حتى دون عمد أو إهمال [196] . وقد أيدت محكمة النقض المصرية هذا الاتجاه واستقرت أحكامها على أن "عدم تنفيذ المدين لالتزامه التعاقدى يعتبر خطأ فى حد ذاته يرتب المسئولية" [197] .

50- وكانت اتفاقية لاهاى قد أخذت بذات الاتجاه فلم تستلزم صدور خطأ من المتعاقد لانعقاد مسئوليته عن الإخلال بالعقد، واعتبرت الإخلال متوافراً بمجرد عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه، ولم تشترط الخطأ إلا لانعقاد مسئولية البائع عن العيب الذى يحدث بعد انتقال تبعة الهلاك [198] . فأخذت فى هذا المقام بضابط شخصى يتمثل فى الخطأ الذى يمكن نسبته إلى البائع أو أحد الأشخاص الذين يسأل عنهم كعماله وموظفيه، فلا يكون البائع مسئولاً عن العيب الذى يظهر أثره بعد انتقال تبعة الهلاك إلا إذا أثبت المشترى أنه منسوب إلى خطأ وقع من البائع أو من أحد الأشخاص الذين يسأل عنهم [199] .  وقد تفادت اتفاقية فيينا ما وجه إلى هذا الحكم من انتقاد بقصرها مسئولية البائع عن العيب فى المطابقة، الذى يظهر بعد انتقال تبعة الهلاك إلى المشترى، على الحالة التى يمكن فيها نسبة هذا العيب إلى عدم تنفيذ أى من التزاماته [200] . ولا يعد نصها على مسئولية البائع عن الإخلال "بأى ضمان يقضى ببقاء البضائع خلال مدة معينة صالحة للاستعمال العادى أو للاستعمال الخاص أو محتفظة بصفاتها أو بخصائصها" رجوعاً منها إلى ضابط الخطأ [201] ، إذ أن النص لم يتطلب لانعقاد مسئولية البائع فى هذه الحالة سوى عدم تنفيذه لالتزامه بالضمان دون اشتراط الخطأ.

فيعد البائع مسئولاً عن العيب الذى يظهر بعد انتقال تبعة الهلاك إلى المشترى مادام قد ثبت أنه لم ينفذ التزامه بالضمان خلال الفترة المتفق عليها، كأن لم يرسل مهندسيه للكشف على الأجهزة المبيعة أو لإجراء الصيانة اللازمة لها، ولا يجديه فى هذه الحالة نفى الخطأ عن نفسه، وإنما يتعين لكى ينفى مسئوليته عن العيب أن يثبت أنه يرجع إلى قوة قاهرة أو إلى خطأ المشترى نفسه والذى قد يتمثل فى استعمال الأجهزة المبيعة بطريقة خاطئة أو إهمال صيانتها.

لكن اتفاقية فيينا عادت إلى ضابط الخطأ عندما قررت أن الهلاك أو التلف الذى يحدث للبضائع بعد انتقال التبعة إلى المشترى لا يجعله فى حل من التزامه بدفع الثمن ما لم يكن الهلاك أو التلف ناتجاً عن فعل البائع أو تقصيره [202] . فيتحمل المشترى الهلاك أو التلف الذى يحدث بعد انتقال التبعة إليه، فيلتزم بأداء الثمن إذا كان لم يسدده ولا يحق له استرداده
إذا كان قد أداه. ولا يستطيع أن يدفع هذه النتيجة إلا إذا أثبت خطأ غير عقدى من جانب البائع يجعله مسئولاً عن تعويضه وفقاً لأحكام المسئولية غير العقدية فى القانون الواجب التطبيق [203] .

51- مصدر التزامات المتعاقدين: يتحقق الإخلال بالعقد بعدم تنفيذ أى التزام من الالتزامات التى تقع على عاتق المتعاقدين. وقد تجد هذه الالتزامات مصدرها فى العقد نفسه، كما قد تجد مصدرها فى الأعراف والعادات، وكذلك فى أحكام الاتفاقية [204] .

فقد يكون مصدر الالتزام هو العقد الذى أبرمه المتعاقدان، وهذا هو الأصل. إذ يلتزم المتعاقدان بتنفيذ ما اتفقا عليه فى العقد، ويعد عدم تنفيذ أى منهما لالتزامه فى هذه الحالة إخلالاً منه بالعقد.

 كما يلتزم الطرفان بالأعراف التى اتفقا عليها وبالعادات التى استقر عليها التعامل بينهما [205] . فإذا اتفق المتعاقدان على تطبيق المصطلحات التجارية الدولية Incoterms والمتعلقة بالبيع سيف c.i.f أو فوب f.o.b، فإن تطبيق قواعد البيع المتعلقة بذلك تصبح التزاماً على عاتق الطرفين [206] . وإذا اعتاد الطرفان فى تعاملهما على تعبئة البضاعة بطريقة معينة، كوضعها فى أوعية خاصة على سبيل المثال، واستقرت هذه العادة بينهما، فإنها تصبح التزاماً  على عاتق البائع فلا يجوز له تسليم البضاعة إلا بعد تعبئتها على هذا النحو [207] . فيلتزم المتعاقدان بالعادات التى استقر عليها التعامل بينهما، إلا إذا قام الدليل على أنهما أرادا عدم تطبيق هذه العادات على العقد الذى أبرماه بينهما [208] .

وقد يكون مصدر التزام المتعاقدين الأعراف السائدة فى مجال التجارة الدولية، إذ يفترض أن الطرفين قد طبقا ضمناً على عقدهما كل عرف كانا يعلمان به أو كان ينبغى أن يعلما به متى كان معروفاً على نطاق واسع ومراعى بانتظام فى التجارة الدولية بين الأطراف فى العقود المماثلة السارية فى نفس فرع التجارة، ما لم يتفقا على خلاف ذلك [209] .

فيشترط لتطبيق العرف على المتعاقدين وإلزامهما بمضمونه أن يعلما بوجوده، سواء كان هذا العلم حقيقياً أو مفترضاً إذا كان من غير المتصور أن يجهله تاجر سوى الإدراك يعمل فى ذات نوع التجارة. وأن يكون هذا العرف معروفاً على نطاق واسع فى محيط التجارة الدولية، وأن يطبق بانتظام على العقود المماثلة التى تبرم فى نفس نوع التجارة [210] .

وقد يكون مصدر التزام المتعاقدين هو أحكام الاتفاقية، إذا أحال المتعاقدين صراحة إليها فى تحديد التزاماتهما كلها أو بعضها، أو إذا كان هذا الالتزام لم ينظمه المتعاقدان فى عقدهما وكانت الاتفاقية هى الواجبة التطبيق على هذا العقد، ولم يكن هناك عرف مطبق بينهما بالمخالفة لها.

52- فإذا تحددت التزامات الطرفين على النحو سالف البيان، فإن الإخلال بأى من هذه الالتزامات يرتب مسئولية المتعاقد الذى ارتكب هذا الإخلال بصرف النظر عما إذا كان الإخلال بالتزام جوهرى أو ثانوى [211] . إذ أن الاتفاقية لم تضع في اعتبارها سوى حجم الضرر الذى ترتب على المخالفة وليس نوع الالتزام الذى تمت مخالفته.

 ويستوى أن يصدر الإخلال من البائع أو المشترى، إذ أن تعريف المخالفة الجوهرية لم يفرق بينهما، كما أن اتفاقية فيينا قد حرصت على المساواة بينهما فى جميع أحكامها.

 53- الإعفاء من المسئولية عن عدم تنفيذ الالتزام: إذا كانت اتفاقية فيينا قد أقامت مسئولية الطرف المخالف فى عقد البيع على مجرد عدم تنفيذه لالتزامه على النحو سالف البيان، فإنها مع ذلك أعفته من المسئولية رغم عدم تنفيذه لالتزامه فى حالتين: الأولى هى حالة عدم التنفيذ بسبب استحالته لقوة قاهرة، والثانية هى حالة عدم التنفيذ بسبب فعل صدر من المتعاقد الآخر، لكنها لم تجعل الأثر المترتب على عدم التنفيذ فى الحالتين واحداً، ونتكلم عن هاتين الحالتين تباعاً.

أولاً: عدم التنفيذ بسبب قوة قاهرة:

54- قد يرجع عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه إلى قوة قاهرة Force majeure أو ما أطلقت عليه اتفاقية فيينا "عائق" Un empêchement، وهو ما يعوق تنفيذه لالتزامه ويكون خارجاً عن إرادته ولم يكن من المتوقع بصورة معقولة أن يأخذه في اعتباره أو يمكن تجنبه أو التغلب عليه أو تجنب عواقبه أو التغلب عليها وقت انعقاد العقد [212] .  وقد حرصت الاتفاقية على البعد عن استخدام أى من المصطلحات المستخدمة فى التشريعات الوطنية لوصف القوة القاهرة، واختارت مصطلحاً جديداً هو العائق empêchement [213] . ويرجع ذلك إلى رغبتها فى عدم التأثر بمفهوم هذه المصطلحات فى الدول التى تأخذ بها عن تفسير محاكمها للحكم الذى أخذت به الاتفاقية، وحرصاً على الطابع الدولى للاتفاقية ومحاولة منه اللاقتراب من تفسير موحد تجتمع عليه كافة الدول الأعضاء فى الاتفاقية [214] .

شروط العائق:

وفقاً للتعريف الذى أخذت به الاتفاقية، يتعين أن يتوافر فى الحادث الذى يعد عائقاً ثلاثة شروط: الأول أن يكون خارجاً عن إرادة المدين، والثانى أن يكون غير متوقع، والثالث ألا يمكن تجنبه أو التغلب عليه هو أو آثاره [215] .

55-  1  الحادث خارج عن إرادة المدين: فيجب أولاً أن يكون الحادث أجنبياً عن فعل المدين، وهو ما عبرت عنه الاتفاقية باشتراطها كونه خارجاً عن إرادته indépendant de sa volonté.

ويعنى ذلك ألا يمكن نسبته إلى فعل صادر من المدين، كأن يتعذر على البائع تسليم البضاعة لعدم حصوله على التراخيص اللازمة لتصديرها، أو يتعذر على المشترى سداد الثمن لعدم استخراجه الأذن اللازم للحصول على النقد الأجنبى [216] .

ويقترب هذا الشرط من السبب الأجنبى المنصوص عليه فى القانون المصرى والذى يؤدى تحققه إلى انقضاء الالتزام إذا استحال الوفاء به بسببه [217] .

ولا يتوافر هذا الشرط إذا كان الحادث راجعاً إلى فعل تابعى المدين، كعماله وموظفيه، والذى صدر عنهم أثناء تنفيذهم العقد، كترتيب الأجهزة المبيعة بصورة خاطئة أو عدم فحص البضاعة قبل تسليمها. أما إذا كان فعل هؤلاء التابعين لا علاقة له بالعقد، كإضرابهم عن العمل أو حدوث حريق بسبب إهمال أحدهم، فإن الحادث فى هذه الحالة يكون خارجاً عن إرادة المدين [218] .

ولا يعد إفلاس المتعاقد الذى يمنعه عن التنفيذ حادثاً خارجاً عن إرادته، ولكنه قد يعد كذلك إذا كان سببه غير راجع إليه، كصدور قرارات من الدولة بمصادرة أراض يقيم عليها مصانعه [219] .

56-  2  الحادث غير متوقع: ويجب ثانياً أن يكون الحادث غير متوقع imprévisible، وعبرت عن ذلك الاتفاقية بألا يكون من المتوقع بصورة معقولة أن يأخذ المتعاقد العائق فى الاعتبار وقت انعقاد العقد، سواء من ناحية حدوثه أو وقت هذا الحدوث [220] . ويرجع ذلك إلى أن الحادث لو كان متوقعاً فإن المدين سوف يقبل تحمل تبعته وما يترتب على عدم تنفيذه الالتزام
من آثار [221] .

واشتراط المعقولية raisonnablement فى التوقع يؤدى بنا إلى القول بأن المعيار الذى يعول عليه فى تقدير التوقع هو معيار موضوعى يتمثل فى توقع الشخص المعتاد سوى الإدراك الذى يكون من صفة المدين إذا وجد
فى نفس ظروفه [222] .

وتختلف اتفاقية فيينا فى هذا الشرط عن اتفاقية لاهاى والتى كانت تتطلب الرجوع إلى مقاصد المتعاقدين وقت التعاقد لتقدير التوقع، ولا يتم الرجوع إلى معيار الشخص العاقل إلا إذا تعذر الوصول إلى مقاصد المتعاقدين [223] .

والوقت الذى يتم تقدير التوقع فيه هو وقت انعقاد العقد. ويترتب على ذلك أن وقوع الحادث لابد أن يكون تالياً على هذا التاريخ، أما إذا كان سابقاً له فإنه لا يعد عائقاً يمنع التنفيذ ما دام المتعاقدان قد قبلا التعاقد مع علمهما بوجوده [224] .

57-  3  الحادث غير ممكن دفعه: ويجب ثالثاً أن يكون الحادث غير ممكن دفعه irrésistible، بأن يكون المتعاقد الذى تخلف عن التنفيذ غير قادر على تجنبه أو التغلب عليه، أو تجنب آثاره أو التغلب عليها. فيجب أن يحاول المدين منع وقوع الحادث بقدر إمكانه، فإذا وقع رغم ذلك تعين عليه بذل الجهد اللازم للتغلب عليه، فإن لم يستطع كان عليه محاولة تجنب آثار الحادث بمنع وصولها إليه أو التقليل منها، فإذا بذل كل ذلك الجهد ولكن الحادث منعه رغم ذلك من تنفيذ التزامه، فإن الشرط يكون متحققاً [225] .

وتقدير هذا الشرط يكون أيضاً بالرجوع إلى معيار الشخص المعتاد، فينظر إلى تصرف الشخص المعتاد - الذى يكون من صفة المدين ويمارس ذات تجارته - فى مواجهة مثل هذا الحادث، مع الوضع فى الاعتبار كافة الظروف الملابسة له، أى أن يكون تقدير تصرف الشخص المعتاد إذا وجد فى نفس ظروف المدين [226] .

58- عبء إثبات توافر شروط العائق: ويقع عبء إثبات توافر هذه الشروط على الطرف الذى تخلف عن التنفيذ [227] . ولا يكفى أن يثبت أن هذا الحادث خارج عن إرادته وأنه غير متوقع ولا يمكن دفعه، وإنما يجب أن يثبت أيضاً أن هذا الحادث هو السبب المباشر لعدم التنفيذ، فإذا ثبت أن عدم التنفيذ يرجع إلى هذا الحادث بالإضافة إلى فعل صادر عنه فإنه لا يمكن استبعاد مسئوليته عن ذلك [228] .

59- مسئولية المتعاقد عن عدم تنفيذ الغير لالتزامه: وقد يعهد أحد المتعاقدين إلى الغير بتنفيذ جزء من التزامه، كتكليف مقاول من الباطن بصنع الأجهزة المبيعة أو أجزاء منها أو تكليفه بتجميعها أو تركيبها، أو تكليف ناقل بنقل البضاعة إلى المكان المتفق عليه، أو تكليف أحد المختصين بالتخليص الجمركى على البضاعة أو بحفظها فى مخازنه حتى يتسلمها المشترى، وقد يكون الغير هو البنك الذى يتفق على دفع الثمن عن طريقه [229] .

ويستوى أن يكون هذا الغير قد اختاره المتعاقد، أو فرضه عليه المتعاقد الآخر، كما يحدث إذا حدد المشترى للبائع شركة معينة لنقل البضاعة إليه. أو كان سداد الثمن عن طريق اعتماد مستندى وحدد البائع للمشترى البنك الذى سيتم فتح الاعتماد لديه.

والأصل أن يكون المتعاقد مسئولاً عن عدم تنفيذ هذا الغير لالتزامه [230] . سواء كان هو الذى اختاره أو اختاره المتعاقد الآخر، إذ أنه قبل التعاقد وتنفيذ التزاماته على هذا الأساس، فيكون مسئولاً عن عدم تنفيذها ولو نسب ذلك إلى الغير الذى اختاره المتعاقد الآخر [231] .

لكن الاتفاقية مع ذلك أعفت المتعاقد من المسئولية عن عدم تنفيذ الغير لالتزامه إذا توافر شرطان: الأول أن تتوافر شروط العائق سالفة البيان بالنسبة للمتعاقد الأصلى، بأن يكون عدم تنفيذ الغير لالتزامه خارجاً عن إرادته هو فلا يمكن نسبته إليه وأن يكون من غير الممكن توقعه أو دفعه. والشرط الثانى أن تتوافر شروط العائق بالنسبة للغير فى علاقته بالمتعاقد الأصلى، بحيث يكون هو نفسه معفياً من المسئولية عن عدم تنفيذه التزامه فى مواجهته [232] .

ولا يعد المورد Le fournisseur الذى يتعاقد معه البائع على توريد البضاعة محل عقد البيع من الغير وفقاً للمفهوم سالف البيان، لأنه لم يكلف بتنفيذ جزء من العقد إذ الغالب ألا تربطه أى علاقة بالعقد الأصلى، كما يمكن فى غالب الأحوال تدبير الحصول على البضاعة من مورد آخر [233] . لكن عدم تنفيذ المورد لالتزامه يمكن مع ذلك أن يعفى المتعاقد الأصلى من المسئولية عنه، إذا توافرت شروط العائق سالفة البيان بالنسبة لكل واحد منهما، وقد يحدث ذلك إذا كان المورد هو المحتكر للبضاعة موضوع عقد البيع [234] .

ولا يعد تابعو المتعاقد الأصلى، كعماله وموظفيه، من الغير فى هذا النطاق، لأنهم فى تنفيذهم العقد يعملون تحت إشرافه وهو المسئول عن أعمالهم. إلا إذا كان ما صدر عنهم وأدى إلى عدم تنفيذ العقد توافرت فيه شروط العائق كما سبق القول [235] .

60- أثر توافر شروط العائق: وإذا توافرت شروط العائق على النحو سالف البيان، فإن الأثر الذى رتبته الاتفاقية على ذلك هو إعفاء المتعاقد الذى تخلف عن التنفيذ من التعويض وحده، فيظل الالتزام قائماً لا ينقضى رغم استحالة تنفيذه، ويحق للمتعاقد الآخر استعمال جميع حقوقه التى كفلتها له الاتفاقية فى حالة الإخلال بالعقد، بما فيها حقه فى إعلان فسخ العقد، ولكن
لا يحق له المطالبة بأى تعويضات [236] .

ويماثل هذا الحكم ما أخذت به اتفاقية لاهاى والتى أعفت المتعاقد الذى يتخلف عن التنفيذ بسبب قوة قاهرة من التعويض وحده ولم تمنع استعمال أى من الحقوق الأخرى [237] . ولكنه يخالف الحكم فى القانون المصرى والذى رتب على استحالة تنفيذ الالتزام لسبب أجنبى انقضاء هذا الالتزام، وبالتالى انقضاء الالتزامات المقابلة له وانفساخ العقد من تلقاء نفسه [238] .

ولا يعفى المتعاقد الذى تخلف عن التنفيذ إلا من التعويضات التى قد يقضى بها وفقاً لأحكام الاتفاقية، أما ما قد يتفق عليه فى العقد من تعويضات - كالشرط الجزائى - فيرجع فى شأنه إلى أحكام العقد والقانون الواجب التطبيق [239] . كذلك لا يدخل فى نطاق التعويضات التى يعفى منها الفوائد والتى يجوز المطالبة بها مقابل التأخير فى دفع الثمن أو أى مبالغ أخرى مستحقة [240] ، لأن الفائدة وفقاً لأحكام الاتفاقية لا تعتبر تعويضاً وإنما هى مقابل حبس النقود فقط [241] .

61- العائق المؤقت: وإذا كان العائق مؤقتاً فإن الإعفاء لا يسرى إلا خلال المدة التى يبقى فيها العائق قائماً [242] ، فيلتزم المتعاقد بالاستمرار في التنفيذ بمجرد زواله، وهو ما يتفق مع المبدأ الذى أخذت به الاتفاقية وهو تفضيل الحفاظ على العقد عن اللجوء إلى فسخه [243] .

لكن التراخى فى تنفيذ الالتزام بعد زوال العائق يرتب مسئولية المتعاقد عن ذلك ولا يعفى من تعويض المتعاقد الآخر عن الضرر الذى لحقه من هذا التأخير [244] .


وقد يعد عدم التنفيذ المؤقت للالتزام مخالفة جوهرية، كما إذا كان لتاريخ تنفيذ الالتزام أهمية خاصة للمتعاقد، وفى هذه الحالة يحق لهذا المتعاقد إعلان فسخ العقد فور تخلف المتعاقد الآخر عن تنفيذ التزامه فى الميعاد المتفق عليه بسبب حدوث العائق [245] .

وإذا كان العائق دائماً وأدى إلى عدم التنفيذ الكلى للالتزام فإن المتعاقد الآخر لا يكون أمامه إلا إعلان فسخ العقد، ولا يحق له المطالبة بأى تعويضات [246] .

أما إذا كان عدم التنفيذ الذى أدى إليه العائق جزئياً، كان للمتعاقد المطالبة بالتنفيذ الجزئى للالتزام بعد زوال العائق وتخفيض الثمن بقدر الجزء الذى لم يتم تنفيذه، كما أن له إعلان فسخ العقد إذا شكل عدم تنفيذ هذا الجزء من العقد مخالفة جوهرية [247] .

62- الإخطار بالعائق: ويجب على المتعاقد الذى تخلف عن تنفيذ التزامه بسبب العائق، أن يوجه إلى المتعاقد الآخر إخطاراً بالعائق وأثره فى قدرته على التنفيذ [248] . وقد قصد بذلك تمكين المتعاقد الآخر من تحديد موقفه من العقد، واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مصالحه، بأن يتخذ قراراً بشأن العقد إما الإبقاء عليه والانتظار حتى زوال العائق، أو إعلان فسخه والبحث عن مصدر آخر للحصول على ما تعاقد من أجله [249] . لذلك يجب أن يتضمن الإخطار توضيحاً لهذا العائق، وما إذا كان سيؤدى إلى تأخير التنفيذ فقط أم سيصبح التنفيذ مختلفاً عما كان قد اتفق عليه فى العقد [250] .

ويجب أن يتم توجيه هذا الإخطار خلال مدة معقولة بعد أن يكون هذا الطرف الذى تخلف عن التنفيذ قد علم بالعائق أو كان من واجبه أن يعلم به. وإذا لم يصل الإخطار خلال هذه المدة المعقولة كان مسئولاً عن التعويض عن الأضرار الناتجة عن عدم وصول هذا الإخطار، أى أن العائق يحدث أثره فيما يتعلق بإعفاء المتعاقد من التعويض عن عدم تنفيذه التزامه، لكنه يتحمل التعويضات عن الأضرار التى لحقت المتعاقد الآخر من جراء عدم وصول الإخطار إليه فى الميعاد المناسب [251] .

ومؤدى ذلك أن المتعاقد الذى يرسل الإخطار هو الذى يتحمل تبعة عدم وصوله، وهو ما يخالف القاعدة التى وضعتها الاتفاقية من تحمل المرسل إليه تبعة ذلك [252] . ويرجع ذلك إلى أنه فى حالة وجود عائق وعدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه فإنه يكفى المتعاقد الآخر ما يتحمله من أضرار بسبب عدم تنفيذ الالتزام، فلا يتصور تحميله أيضاً تبعة عدم وصول الإخطار [253] .

ثانياً: عدم التنفيذ بسبب فعل المتعاقد الآخر:

63- وقد يرجع عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه إلى فعل أو إهمال صدر من المتعاقد الآخر جعل تنفيذه للالتزام متعذراً، وفى هذه الحالة لا يجوز مطالبته بهذا التنفيذ أو تحميله مسئولية ذلك. وقد أوردت اتفاقية فيينا هذا الحكم بنصها على أنه "لا يجوز لأحد الطرفين أن يتمسك بعدم تنفيذ الطرف الآخر لالتزاماته فى حدود ما يكون عدم التنفيذ بسبب فعل أو إهمال من جانب الطرف الأول" [254] .

وهذا الحكم هو تطبيق للمبدأ الذى وضعته الاتفاقية لتفسير أحكامها، وهو ضرورة أن يراعى فى هذا التفسير "ضمان احترام حسن النية فى التجارة الدولية" [255] . ولم تكن هناك حاجة للنص عليه لأن المبادئ العامة توجبه، لذلك لم يرد بمشروع الاتفاقية المقدم للمؤتمر الدبلوماسى، وإنما أضيف أثناء مناقشته بناء على اقتراح من ألمانيا الديمقراطية [256] .

ولم تتضمن اتفاقية لاهاى حكماً مماثلاً، إذ لم يرد بها ما يفيد إعفاء المدين من التزامه إذا كان عدم التنفيذ راجعاً إلى فعل الدائن [257] . أما القانون المصرى فقد اعتبر خطأ الدائن سبباً أجنبياً لا يد للمدين فيه يترتب عليه انقضاء الالتزام [258] .

64- شروط عدم التنفيذ: ويلزم لتطبيق هذا الحكم توافر ثلاثة شروط: الأول عدم تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزامه، والثانى صدور فعل أو إهمال من المتعاقد الآخر، والثالث أن تتوافر علاقة سببية بين هذا الفعل أو الإهمال وعدم التنفيذ [259] .

 1  تخلف المدين عن تنفيذ التزامه: فيجب أولاً أن يتخلف أحد المتعاقدين عن تنفيذ التزامه، على ألا يرجع ذلك إلى وجود عائق حال دون التنفيذ مما يرتب الإعفاء من التعويض [260] . ويستوى أن يصدر عدم التنفيذ من البائع أو المشترى، وبصدد أى التزام من الالتزامات التى تقع على عاتق أى واحد منهما، وسواء كان عدم التنفيذ كلياً أو جزئياً، إذ لا أهمية لمدى جسامة الإخلال المرتكب [261] .

 2  صدور فعل أو إهمال من الدائن: ويجب ثانياً أن يصدر عن الطرف الدائن فى الالتزام فعل أو إهمال يترتب عليه عدم استطاعة الطرف المدين تنفيذ التزامه. ومثال ذلك عدم تنفيذ البائع التزامه بتسليم البضاعة بسبب تخلف المشترى عن إرسال المواصفات أو الرسومات الضرورية التى يلزمه العقد بتقديمها للبائع حتى يقوم بالتنفيذ على أساسها، أو تخلف المشترى عن دفع الثمن بسبب امتناع البائع عن تحديد البنك الذى سيودع الثمن فيه وفقاً لما اتفق عليه فى العقد [262] .

ولا يشترط أن يوصف ما صدر عن الدائن أنه خطأ، وإنما يكفى أن يكون فعلاً أو إهمالاً يمكن نسبته إليه أو إلى أحد تابعيه [263] . ولكن يجب أن يكون هذا الفعل مؤدياً إلى تعذر تنفيذ المدين لالتزامه، أما إذا استطاع تنفيذه رغم ذلك فإن هذا الشرط لا يعد متوفراً، ومثال ذلك إذا امتنع المشترى عن تعيين شكل البضاعة ومقاييسها والصفات الأخرى المميزة لها ولم يقدم هذه المواصفات فى الميعاد المتفق عليه، فإن البائع يستطيع رغم ذلك أن يحدد هذه المواصفات بنفسه وفقاً لحاجات المشترى التى يمكن له معرفتها [264] .

 3  علاقة السببية: ويجب ثالثاً أن توجد علاقة سببية بين ما صدر عن الدائن من فعل أو إهمال وعدم تنفيذ المدين لالتزامه. ويقع على المدين الذى تخلف عن التنفيذ عبء إثبات ذلك [265] .


65- أثر عدم التنفيذ: والنتيجة التى رتبتها الاتفاقية على صدور فعل أو إهمال من جانب الدائن أدى إلى عدم تنفيذ المدين لالتزامه، هى إعفاء المدين من تنفيذ هذا الالتزام، فلا يكون مسئولاً عن عدم التنفيذ فى هذه الحدود ولا يحق للدائن استعمال أى من الحقوق التى نصت عليها الاتفاقية ومنها حقه فى إعلان فسخ العقد [266] .

وعلى ذلك فإن الإعفاء لا يقتصر على التعويض، كما هو الحال إذا كان عدم التنفيذ راجعاً إلى عائق وفقاً للمادة 79 من اتفاقية فيينا، ولكنه يمتد ليشمل كافة الجزاءات التى قررتها الاتفاقية فى حالة الإخلال بالعقد [267] .

وتطبيقاً لذلك فإن المشترى لا يستطيع أن يتمسك بمسئولية البائع عن تسليم بضاعة غير مطابقة ويعلن فسخ العقد، إذا كانت عدم المطابقة راجعة إلى صدور تعليمات خاطئة أو غير كافية منه للبائع [268] . بل يستطيع البائع فى هذه الحالة مطالبة المشترى بالتعويض عن أى ضرر لحقه من جراء ما صدر عنه من فعل أو إهمال [269] .

66- الخلاصة: خلاصة ما تقدم، أن اتفاقية فيينا لم تستلزم لتقرير مسئولية المتعاقد عن الإخلال بالعقد سوى ثبوت عدم تنفيذه لالتزامه، دون اشتراط نسبة خطأ إليه. فيكفى أن يثبت عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه سواء كان عدم التنفيذ كلياً أو جزئياً، كما يتحقق فى حالة التنفيذ المعيب والتنفيذ المتأخر.

ويستوى أن يكون مصدر الالتزامات التى يحدث الإخلال بها هو العقد أو الأعراف والعادات أو أحكام الاتفاقية. كما يستوى أن يكون الإخلال بالتزام جوهرى أو ثانوى، وسواء صدر من البائع أو المشترى.

ولم تقرر الاتفاقية إعفاء المتعاقد من المسئولية عن عدم تنفيذ التزامه إلا فى حالتين، الأولى هى حالة حدوث عائق يكون خارجاً عن إرادته وغير ممكن توقعه أو دفعه، وهى ذات شروط القوة القاهرة. والثانية هى صدور فعل من المتعاقد الآخر أو إهمال يمنعه من التنفيذ. لكنها رتبت على تحقق شروط الحالة الأولى الإعفاء من التعويض وحده، بحيث يحق للمتعاقد الآخر استعمال كافة حقوقه الأخرى ومنها حقه فى إعلان فسخ العقد. بينما رتبت على الحالة الثانية إعفاء المتعاقد من تنفيذ الالتزام نفسه، وعدم أحقية المتعاقد الآخر فى استعمال أى من الجزاءات التى قررتها الاتفاقية.


المطلب الثانى

الضــرر الجوهــرى

67- يعد الضرر شرطاً لازماً لقيام المسئولية، فلا يسأل المتعاقد عن إخلاله بتنفيذ الالتزام إلا إذا ترتب على هذا الإخلال ضرر [270] . وقد أخذت اتفاقية فيينا بهذا المبدأ فاشترطت لتقرير مسئولية المتعاقد عن إخلاله بالتزامه والسماح للمتعاقد الآخر بفسخ العقد أن يترتب على هذا الإخلال ضرر. لكنها لم تكتف بذلك وإنما أضافت إليه اشتراطها أن يكون هذا الضرر جوهرياً، بأن يصل إلى درجة كبيرة من الجسامة تبرر الفسخ. وجعلت المعيار الذى يمكن على أساسه تقرير ما إذا كان الضرر جوهرياً من عدمه هو الحرمان من منفعة العقد، بأن يترتب على الضرر حرمان الطرف المضرور بشكل أساسى من المنفعة التى كان يحق له توقع الحصول عليها من العقد [271] .

68- ظهور فكرة الضرر الجوهرى: تعد فكرة الضرر الجوهرى Préjudice substantiel [272]  فكرة جديدة ابتكرتها اتفاقية فيينا، إذ ظهرت أثناء المناقشات لإعداد الاتفاقية بناء على اقتراح من الوفد المكسيكى. ورغم الانتقاد الذى وجه إلى هذه الفكرة باعتبارها غير موضوعية وشديدة الغموض، فإنه بعد جدل طويل ظهرت الصياغة التى أخذت بها الاتفاقية بعد ذلك، والتى اعتبرت أن الضرر يكون جوهرياً "إذا أدى إلى حرمان الطرف المضرور بصفة أساسية مما كان يحق له أن يتوقعه من العقد" [273] .


- الضرر فى اتفاقية لاهاى: لم يرد بتعريف المخالفة الجوهرية فى اتفاقية لاهاى اشتراط أن يكون الضرر جوهرياً، بل إنها لم تتكلم عن الضرر أصلاً [274] . وإنما أقامت تعريفها للمخالفة الجوهرية على فكرة أساسية هى أن يفقد المتعاقد الذى يلجأ إلى الفسخ كل مصلحة له فى العقد بسبب المخالفة، بحيث أنه ما كان ليتعاقد لو علم بالمخالفة وآثارها [275] . وهو مفهوم يقترب من فكرة الضرر الجوهرى فى اتفاقية فيينا، لكنه يختلف عنها من ناحية الصياغة.

- الضرر الجوهرى فى قواعد الـ Unidroit: وقد تضمنت قواعد الـ Unidroit حكماً مماثلاً لفكرة الضرر الجوهرى فى اتفاقية فيينا، إذ أجازت للمتعاقد فسخ العقد إذا كان إخلال المتعاقد الآخر بتنفيذ التزامه يرتقى إلى مرتبة الإخلال الجوهرى بالعقد. وأوردت عدداً من الظروف التى يمكن على أساسها تحديد ما إذا كان عدم التنفيذ يعد جوهرياً، منها أن يؤدى عدم التنفيذ إلى حرمان الدائن بشكل أساسى مما كان يحق له أن يتوقع الحصول عليه بموجب العقد [276] .


69- فكرة "النقصان الجوهرى" فى القانون التجارى الأمريكى الموحد: وتماثل فكرة الضرر الجوهرى إلى حد كبير فكرة "النقصان الجوهرى" substantial impairment فى القانون التجارى الأمريكى الموحد U.C.C. [277] . إذ يستطيع المشترى رغم قبوله البضاعة، أن يسحب هذا القبول، إذا استطاع أن يثبت أن عدم مطابقة البضاعة قد حرمه بصفة أساسية من منفعتها بالنسبة له [278] . بشرط أن يقيم الدليل على وجود عذر دفعه إلى قبول البضاعة، وأن يقوم بسحب القبول خلال مدة معقولة من التاريخ الذى اكتشف فيه - أو كان من واجبه أن يكتشف فيه - الأسباب التى دفعته لسحب القبول [279] .

كما يستطيع المشترى فى عقود البيع على دفعات أن يرفض أى دفعة غير مطابقة من هذه الدفعات، إذا كانت عدم المطابقة تحرمه بصفة أساسية من منفعة هذه الدفعة بالنسبة له وكان من غير الممكن إصلاحها [280] . وإذا كانت عدم المطابقة فيما يتعلق بدفعة أو أكثر من هذه الدفعات تحرمه بصفة أساسية من منفعة العقد كله فإنه يكون هناك إخلال بالعقد كله [281] .

70- القانون المصرى وفكرة فقدان المنفعة من العقد: وقد أخذ القانون المصرى بفكرة فقدان المنفعة من العقد وجعلها من العناصر التى تجيز للقاضى الحكم بالفسخ فى حالات معينة، وقد عبر عن فقدان المنفعة باشتراطه أن يصل الضرر إلى درجة لو علمها المتعاقد لما أتم العقد. فيجب لفسخ العقد فى حالة نقص المبيع إذا عين فى العقد مقداره، وفى حالة نقص قيمة المبيع
قبل التسليم لتلف أصابه، أن يكون النقص من الجسامة بحيث لو أن المشترى كان يعلمه لما أتم العقد [282] .

كذلك تعد فكرة فقدان المنفعة من العقد متوافرة فى المعيار الذى أخذ به قانون التجارة الجديد للقضاء بالفسخ فى حالة نقص كمية المبيع أو وجود عيب به أو عدم مطابقته، إذ لا يقضى بالفسخ إلا إذا نشأ عن النقص أو العيب أو عدم المطابقة عدم صلاحية المبيع للغرض الذى أعده له المشترى أو صعوبة تصريفه [283] .

شروط الضرر الجوهرى فى اتفاقية فيينا:

 71-  1  حرمان الطرف المضرور من المنفعة المتوقعة من العقد: يجب لكى يعد الضرر جوهرياً وفقاً للمعيار الذى أخذت به اتفاقية فيينا أن يترتب عليه حرمان الطرف المضرور بشكل أساسى من المنفعة التى كان يحق له توقع الحصول عليها من العقد. فلا ينظر إلى ما يتوقعه المتعاقد من العقد وفقاً لتقديره الشخصى، وإنما إلى ما يحق له أن يتوقعه منه. فالمعيار هنا معيار موضوعى يرجع فيه إلى ما يمكن أن يتوقعه شخص سوى الإدراك من صفة المتعاقد إذا وجد فى نفس ظروفه [284] .

- اتفاق المتعاقدين على المنفعة المقصودة من العقد: وقد يظهر ما يحق للمتعاقد أن يتوقعه من العقد فى العقد نفسه [285] ، بأن يتفق فيه على الغرض الأساسى من إبرام العقد والمنفعة التى تعود على المتعاقدين منه، فإذا لم يتحقق هذا الغرض اعتبر الضرر جوهرياً. ومثال ذلك أن يتم التعاقد على شراء زهور ويتفق فى العقد على أن القصد من شرائها هو بيعها فى أعياد الميلاد ورأس السنة، فإذا تأخر البائع فى تسليمها حتى انتهاء هذه الأعياد اعتبر الضرر جوهرياً لأنه يحرم المشترى من المنفعة التى كان يحق له توقع الحصول عليها من العقد.

- تحديد المنفعة المقصودة من العقد بتفسير ما صدر عن المتعاقدين من بيانات وتصرفات: وإذا لم يتفق المتعاقدان صراحة فى العقد على المنفعة التى يقصدها كل واحد منهما من التعاقد، فإنه يرجع فى تحديد ذلك إلى ما قد يصدر عنهما من بيانات أو تصرفات قبل إبرام البيع أو وقت انعقاده أو بعده، ويشمل ذلك المراسلات المتبادلة بينهما وما قد يقدمه المتعاقدان من إيضاحات خاصة بشروط العقد، وما يصدر عنهما من أعمال أو تصرفات بخصوصه أو ما يتخذانه من مواقف بشأن تنفيذه [286] .

 وتفسر هذه البيانات والتصرفات وفقاً لما قصده المتعاقد الذى أصدرها، متى كان المتعاقد الآخر يعلم بهذا القصد بأن كان قد أبلغ به صراحة، أو كان من الوضوح بحيث يمكن افتراض أنه لا يجهله. فإن تعذر الوصول إلى هذا القصد فإن البيانات والتصرفات تفسر وفقاً لما يفهمه شخص سوى الإدراك من صفة الطرف الآخر إذا وجد فى نفس ظروفه، وفى جميع الأحوال يجب أن يؤخذ فى الاعتبار جميع ظروف العقد بما فى ذلك المفاوضات السابقة على انعقاده والعادات التى استقر عليها التعامل بين الطرفين والأعراف وأى تصرف لاحق صادر عنهما [287] .

- تحديد المنفعة المقصودة من العقد بالرجوع إلى طبيعة المبيع: فإذا لم يرد بالعقد ذكر للمنفعة التى تعود على المتعاقد منه وما يتوقعه كل منهما من إبرامه، وتعذر الوصول إلى ذلك عن طريق تفسير ما صدر عنهما من بيانات وتصرفات، فإنه يمكن تحديد ذلك بالرجوع إلى طبيعة المبيع، فما يتوقع الحصول عليه عادة من هذا المبيع يعد هو المنفعة المقصودة من المبيع. وإذا تحدد غرض خاص أعد المبيع له، فإن هذا الغرض الخاص هو الذى يرجع إليه لتحديد المنفعة الأساسية المقصودة من المبيع. فإذا كان المبيع خيولاً  أعدت للسباق، فإن تسليم خيول غير معدة لذلك يرتب ضرراً جوهرياً للمشترى لحرمانه من المنفعة الأساسية التى قصدها من البيع [288] .

وإذا كان المبيع ماشية فإن الغرض المعتاد من شرائها هو بيعها للمستهلكين أو ذبحها وبيع لحومها، ولكن قد يتفق فى عقد البيع على غرض خاص للشراء هو استخدامها لإجراء التجارب اللازمة لإنتاج الأمصال والمستحضرات الطبية، ويتحدد بالعقد مواصفات خاصة لابد من توافرها لتحقيق هذا الغرض، فإن عدم تحقق هذه المواصفات يرتب ضرراً جوهرياً للمشترى لحرمانه من المنفعة التى قصدها من العقد.

وقد بالغت محكمة ألمانية فى تحديد المقصود من فقدان المنفعة من العقد، واعتبرت أن ذلك لا يتحقق إلا إذا كان المبيع لا يصلح لأى استعمال [289] . وتخلص وقائع هذه القضية فى أن عقداً قد أبرم فى يناير 1991 بين شركة إيطالية وأخرى ألمانية على أن تبيع الأولى للثانية أحذية نسائية Women's shoes، وقامت البائعة بتسليم الأحذية المبيعة للمشترية التى رفضت دفع الثمن بحجة أن الأحذية غير مطابقة للموصفات المتفق عليها. وقضت محكمة استئناف فرانكفورت الألمانية بعدم أحقية المشترية فى فسخ العقد وألزمتها بسداد ثمن البضاعة والفوائد على هذا الثمن، وأسست حكمها على أن المشترية عجزت
عن إقامة الدليل على عدم مطابقة الأحذية بصورة كبيرة، وأن المشترى وفقاً لاتفاقية فيينا يتعين عليه قبول البضاعة غير المطابقة إذا كان يمكن استعمالها بأى صورة من الصور على أن يتمسك بأى جزاءات أخرى لمواجهة هذه العيوب خلاف الفسخ كتخفيض الثمن والتعويض [290] .

72-  2  وجود الضرر فعلاً واستمراره: ويجب فى جميع الأحوال أن يتحقق وجود الضرر فعلاً، ولا يكفى احتمال تحققه، كما يجب أن يستمر وجوده حتى إعلان فسخ العقد [291] . ذلك أن عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه لا ينتج عنه بالضرورة ضرر للمتعاقد الآخر، فقد يهمل البائع فى تنفيذ التزامه بتعبئة البضاعة أو التأمين عليها ولكنها تصل رغم ذلك سالمة فلا يلحق المشترى ضرر من جراء ذلك، لكن إذا ترتب على هذا الإهمال ألا يتمكن المشترى من إعادة بيعها ففى هذه الحالة يكون قد لحقه ضرر جوهرى تحقق وجوده فعلاً [292] .

ونرى أنه لا يوجد ما يمنع أن يكون الضرر مستقبلاً، بشرط أن يكون محقق الوقوع فى المستقبل. فإذا اشترى تاجر بضاعة لبيعها بعد فترة زمنية لوجود مخزون لديه لم يتصرف فيه بعد، فإن البائع إذا تخلف عن تسليم البضاعة له أو سلمها غير مطابقة لن يلحقه بسبب ذلك ضرر حال، وإنما سيتحقق وقوع هذا الضرر عندما يحين موعد التصرف فى البضاعة، لكنه مع ذلك ضرر محقق الوقوع فى المستقبل [293] . فيعد ضرراً جوهرياً يعطى للمشترى الحق فى فسخ العقد.

73- تقدير جوهرية الضرر مسألة واقع: ويعد تقدير جوهرية الضرر مسألة واقع question de fait يرجع فيها إلى كل حالة على حده [294] . فقد يكون إخلال المتعاقد بتنفيذ التزامه فى بعض الأحوال متسامحاً فيه، فى حين قد يؤدى ذات الإخلال إلى ضرر جوهرى فى أحوال أخرى. فعلى سبيل المثال لا يعد التأخير اليسير من البائع فى تسليم البضاعة لمدة يوم أو يومين مؤدياً  إلى ضرر جوهرى للمشترى وفقاً للظروف العادية، لكن هذا التأخير يلحق بالمشترى ضرراً جوهرياً إذا كان القصد من التعاقد هو عرض البضاعة فى معرض يستمر لمدة يومين واستمر التأخير حتى انتهاء فترة المعرض [295] .

وقد يكون الضرر منذ بدايته جوهرياً، وقد يبدأ بسيطاً ثم تزداد حدته مع الوقت أو مع استمرار المخالفة [296] . كما يحدث لو كان المبيع آلات يظهر عيب بسيط بها عند بدء تشغيلها ثم يزداد هذا العيب مع استمرار التشغيل، أو كان المبيع مواداً غذائية لا يظهر فسادها إلا بعد مرور فترة زمنية معينة بعد تسليمها. ويحدث أيضاً إذا كان الإخلال بالالتزام بالضمان، فيتقاعس البائع عن إرسال مهندسيه لإجراء الصيانة الدورية للجهاز المبيع، وبمرور الوقت يتوقف الجهاز عن العمل بسبب عدم إجراء هذه الصيانة له.

ويظهر من اشتراط الاتفاقية جوهرية الضرر وحده، أنها لم تدخل فى اعتبارها طبيعة الالتزام الذى تمت مخالفته، فتستوى مخالفة أى التزام من الالتزامات التى تقع على عاتق طرفى عقد البيع [297] . كالتزام البائع بالتسليم والمطابقة والتزام المشترى بدفع الثمن وتسلم البضاعة، وكذا أى التزام تابع لهذه الالتزامات كالالتزام بإبرام عقد النقل والتأمين على البضاعة وفتح
اعتماد مستندى.

74- أثر علاج الإخلال فى تقدير جوهرية الضرر: وينبغى أن يدخل فى تقدير جوهرية الضرر ما يعرضه الطرف المخالف لعلاج هذا الضرر وإزالة آثار المخالفة التى ارتكبها [298] . فقد يكون من شأن ما عرضه رفع الضرر الذى لحق بالطرف الآخر أو جزء كبير منه، بحيث لا يعد الضرر الذى يبقى بعد ذلك جوهرياً. فالمخالفة لا تكون جوهرية إذا أمكن علاجها [299] . لأنها بإتمام علاجها لن يترتب عليها ضرر جوهرى، وقد لا يترتب عليها ضرر على الإطلاق.

وقد يكون العلاج بعد تاريخ التسليم بأن يصلح البائع على نفقته كل خلل فى تنفيذ التزاماته، بشرط ألا يترتب على ذلك تأخير غير معقول ولا يسبب للمشترى مضايقة غير معقولة أو شكوكاً فى قيام البائع بدفع المصاريف التى أنفقها المشترى [300] . كما قد يكون العلاج فى حالة تسليم البضاعة قبل الميعاد، إذ يحتفظ البائع حتى حلول الميعاد المحدد للتسليم بحق تسليم الجزء أو الكمية الناقصة من البضاعة المسلمة أو توريد بضاعة بديلة للبضاعة غير المطابقة لما جاء فى العقد أو إصلاح العيب في مطابقة البضاعة، بشرط ألا يترتب على استعمال هذا الحق مضايقة للمشترى أو تحميله نفقات غير معقولة [301] .

 3  اشتراط أن يكون الفسخ هو العلاج الوحيد لرفع الضرر: ويتعين لكى يكون الضرر جوهرياً أن يكون الفسخ هو العلاج الوحيد لرفع الضرر الذى لحق بالمتعاقد نتيجة المخالفة التى ارتكبها المتعاقد الآخر، أما إذا أمكن رفع هذا الضرر عن طريق آخر فإن الضرر بذلك لا يعد جوهرياً كما لو كان دفع التعويضات أو تخفيض الثمن يعد علاجاً كافياً وملائماً لهذا الضرر [302] .

75- السماح بالفسخ رغم عدم جوهرية الضرر: وقد يكون الضرر غير جوهرى ويسمح مع ذلك بالفسخ، وذلك فى حالتين: الأولى إذا اتفق المتعاقدان على ذلك صراحة فى عقدهما، والثانية إذا جرى بذلك العرف الذى اتفق عليه المتعاقدان صراحةً أو ضمناً.

76- أولاً: اتفاق المتعاقدين على الفسخ: فالقاعدة أن المتعاقدين يجوز لهما استبعاد تطبيق الاتفاقية، كما يجوز لهما مخالفة أى نص من نصوصها أو تعديل آثاره [303] . فأحكام الاتفاقية هى أحاكم مكملة لإرادة المتعاقدين لا تطبق إلا إذا لم يتفق المتعاقدان على ما يخالفها [304] . فقد جعلت الاتفاقية من إرادة المتعاقدين المصدر الأول لعقد البيع، وكل شرط يضمناه عقدهما يحددان به حقوقهما والتزاماتهما تكون له الأولوية فى التطبيق على أحكام الاتفاقية [305] .

وعلى ذلك يجوز للمتعاقدين أن يضمنا عقدهما أن أضراراً معينة تعد جوهرية إذا نتجت عن إخلال أحدهما بالتزاماته، حتى ولو كانت هذه الأضرار لا تعد كذلك وفقاً لأحكام الاتفاقية. كأن يتفق المتعاقدان على أن أى عيب مهما كانت درجته يظهر عند تشغيل الجهاز المبيع يتحمل البائع مسئوليته ويلتزم باستبدال جهاز جديد به وإلا فسخ البيع.

77- ثانياً: الفسخ إذا جرى العرف بذلك: ويلتزم المتعاقدان بالأعراف التى اتفقا عليها وبالعادات التى استقر عليها التعامل بينهما [306] . فإذا تضمنت هذه الأعراف أو العادات المستقر عليها ما يحدد الأضرار التى تعد جوهرية وتجيز فسخ العقد، فإنها تكون واجبة التطبيق حتى ولو كانت هذه الأضرار غير جوهرية وفقاً لأحكام الاتفاقية، بأن كانت لا تحرم المتعاقد مما كان يحق له أن يتوقعه من العقد.

وهذا الحكم لا يقدم جديداً لأن الأعراف التى اتفق عليها المتعاقدان قد أصبحت باتفاقهما جزءاً من العقد يلتزما به كالتزامهما بباقى أجزائه. أما العادات التى استقر عليها التعامل بينهما، فإنها تطبق باعتبارها قرينة على أن الطرفين قد أرادا تطبيقها، ما لم يقم الدليل على أنهما قد أرادا استبعادها من نطاق عقد معين أبرماه بينهما [307] .

وإذا كان المتعاقدان لم يتفقا على تطبيق عرف معين على عقدهما، لكن هذا العرف كانا يعلمان به - أو كان ينبغى لهما أن يعلما به - وكان معروفاً على نطاق واسع فى التجارة الدولية ويراعى بانتظام فيها بين الأطراف فى العقود المماثلة السارية في نفس فرع التجارة، فإنه يفترض أن الطرفين قد طبقا هذا العرف ضمناً على عقدهما [308] . وما دام هذا العرف قد اعتبر أنه مطبق ضمناً على هذا العقد، فإنه يأتى فى مرتبة مساوية لمرتبة الاتفاق ويسبق وبالتالى فى التطبيق أحكام الاتفاقية [309] .

وعلى ذلك إذا جرى هذا العرف بالنسبة إلى بعض أنواع البيوع - كالبيع سيف c.i.f. - على امتناع المشترى عن تسلم المستندات إذا لم تكن مطابقة تماماً للعقد ولو كان عدم المطابقة طفيفاً، فإن العرف هو الذى يرجح ويتعين تطبيقه رغم مخالفته لأحكام الاتفاقية [310] .

78- الخلاصة: ونخلص مما تقدم إلى أن اتفاقية فيينا رغبة منها في تقييد الحق فى الفسخ اشترطت لكى تكون المخالفة جوهرية أن يترتب عليها ضرر جوهرى للمتعاقد الآخر، وحددت الضرر الجوهرى بأنه الذى يحرم الطرف المضرور بشكل أساسى من المنفعة التى كان يحق له توقع الحصول عليها من العقد.

ومعيار تقدير جوهرية الضرر هو معيار موضوعى يرجع فيه إلى ما يمكن أن يتوقعه من العقد شخص سوى الإدراك من صفة الطرف المضرور إذا وجد فى نفس ظروفه. وهذه التوقعات قد تظهر فى العقد نفسه، أو فيما يصدر عن الطرفين من بيانات وتصرفات، وإلا تعين الرجوع إلى طبيعة المبيع والغرض الخاص الذى أعد له.

والضرر يجب أن يكون موجوداً وقت الفسخ، ولا يكفى احتمال تحققه، وقد يكون مستقبلاً بشرط أن يكون محقق الوقوع في المستقبل. ويرجع فى تقدير الضرر إلى كل حالة على حده، وقد يكون الضرر جوهرياً منذ بدايته كما قد يكون بسيطاً ثم تزداد حدته مع الوقت واستمرار المخالفة. ولا عبرة بطبيعة الالتزام الذى تمت مخالفته. وينبغى أن يدخل فى تقدير الضرر ما يعرضه الطرف المخالف لعلاج المخالفة ورفع آثار الضرر.

ويعتد فى تقدير جوهرية الضرر بما اتفق عليه المتعاقدان، وبما ضمناه عقدهما من أعراف وبما استقر عليه التعامل بينهما. وكذا يعتد بالأعراف التى يعلمان بها أو يجب عليهما العلم بها متى كانت معروفة على نطاق واسع فى التجارة الدولية وتراعى باستمرار بها.


المطلب الثالث

توقــــع الضــــرر

79- إذا أخل المتعاقد بتنفيذ التزاماته وترتب على هذا الإخلال ضرر جوهرى بالمتعاقد الآخر. فإن المخالفة رغم ذلك لا  تكون جوهرية إلا إذا كان هذا الضرر متوقعاً Prévisible، بأن يتوقع الطرف المخالف حدوثه وكذلك يتوقعه كل شخص سوى الإدراك من صفة الطرف المخالف إذا وجد فى نفس ظروفه [311] .

ويعد اشتراط توقع الضرر أمراً يتسم بالعدالة، إذ ليس من العدل أن يتحمل المتعاقد نتيجة لا يمكن أن يتوقع حدوثها. فإذا كان تاريخ التسليم يمثل أهمية خاصة للمشترى، فإنه يتعين عليه أن يخطر البائع بذلك أو ينص عليه في العقد. فإذا لم يقم بذلك وتأخر البائع فى التسليم تأخراً يسيراً جرى العرف عادة على التسامح فيه، فلا يتصور محاسبته على هذا التأخير ولو ترتب عليه ضرر جوهرى للمشترى، لأن البائع لم يتوقع هذه النتيجة ولم يتجاوز تأخيره الحد المقبول عادة، فلا توصف المخالفة فى هذه الحالة بأنها جوهرية [312] .

80- توقع الضرر فى قواعد الـ Unidroit: وقد أخذت قواعد الـ Unidroit بشرط التوقع أيضاً، فاعتبرت أن عدم تنفيذ الالتزام يرتقى إلى مرتبة الإخلال الجوهرى بالعقد إذا أدى إلى حرمان الدائن بشكل أساسى مما كان يحق له توقع الحصول عليه بموجب العقد، إلا إذا كان الطرف الآخر لم يتوقع أو كان من غير المعقول أن يتوقع هذه النتيجة [313] . فلا يحق للدائن
فسخ العقد إذا أثبت المدين أنه لم يتوقع، ولم يكن من المعقول له أن يتوقع، أن عدم التنفيذ سيكون جوهرياً بالنسبة للدائن. وأوردت مثالاً لذلك: إذا التزام  أ  بأن يجمع المخلفات من الموقع المملوك لـ  ب  خلال عام 1992، واستأجر  ب  حفارات بتكلفة عالية لتعمل فى الموقع اعتباراً من 2 يناير لكنه لم يخطر  أ  بذلك، فلا يحق لـ  ب  فسخ العقد بسبب عدم إخلاء  أ  الموقع في 2 يناير [314] . ذلك أن  أ  لم يكن فى إمكانه توقع الأضرار التى تلحق  ب  من جراء ذلك.

- توقع الضرر فى اتفاقية لاهاى: وكانت اتفاقية لاهاى قد ضمنت تعريف المخالفة الجوهرية بها شرط توقع الضرر ولكن بعبارات مختلفة، إذ اشترطت أن يعلم الطرف المخالف - أو كان ينبغى له أن يعلم - أن المتعاقد الآخر ما كان ليبرم العقد لو علم وقت التعاقد بالمخالفة وآثارها [315] . فلو كان الطرف المخالف يستطيع أن يعلم وقت التعاقد أن الإخلال الذى سيصدر عنه وما يترتب عليه من آثار، يمكن أن يؤدى إلى امتناع المتعاقد الآخر عن التعاقد لم علم به، فإن المخالفة تكون جوهرية. أو بعبارة أخرى تكون المخالفة جوهرية إذا استطاع الطرف المخالف أن يتوقع وقت التعاقد ما يترتب على هذا الإخلال من ضرر بالمتعاقد الآخر.

81- التوقع فى القانون المصرى: ولم يشترط القانون المصرى لفسخ العقد أن يكون الضرر الناتج عن الإخلال متوقعاً، وإنما ترك تقدير أسباب الفسخ للقاضى الذى له أن يحكم به أو يرفضه [316] . لكن توقع الضرر يعد شرطاً للحكم بالتعويض، فإذا كان الالتزام مصدره العقد فلا يلتزم المدين الذى لم يرتكب غشاً أو خطأ جسيماً إلا بتعويض الضرر الذى يمكن توقعه عادة وقت التعاقد [317] .

ويبرر قصر التعويض على الضرر المتوقع، أن توقع الضرر يعد هنا شرطاً اتفاقياً مفترضاً يعدل من مقدار المسئولية، فقد افترض القانون أن إرادة المتعاقدين قد انصرفت إلى جعل المسئولية العقدية عن الضرر مقصورة على المقدار الذى يتوقعه المدين، فهذا هو المقدار الذى يمكن أن يفترض افتراضاً معقولاً أن المدين قد ارتضاه، ويكون هذا الافتراض بمثابة شرط اتفاقى يعدل من مقدار المسئولية بقصرها على مقدار معين هو مقدار الضرر المتوقع. لكن هذا الشرط يعد باطلاً فى حالتى غش المدين وخطأه الجسيم، فيلتزم فى هاتين الحالتين بالتعويض عن كل الضرر متوقعاً أو غير متوقع، لأنه رجع إلى الأصل بعد إبطال الشرط الاتفاقى الذى يعدل من مقدار المسئولية [318] .

والضرر الذى يمكن توقعه عادة وقت التعاقد، يقاس بمعيار موضوعى لا بمعيار شخصى، أى بالضرر الذى يتوقعه الشخص المعتاد فى مثل الظروف التى يوجد بها المدين لا الضرر الذى يتوقعه هذا المدين بالذات [319] .

82- معيار تقدير التوقع فى اتفاقية فيينا: وعلى ذلك، فإن اتفاقية فيينا قد استعبدت وصف المخالفة بالجوهرية، رغم صدور الإخلال وترتب ضرر جوهرى عليه، إذا كان الطرف المخالف لم يتوقع مثل هذه النتيجة التى سببها الإخلال الصادر عنه للمتعاقد الآخر [320] . أى أن عدم التوقع يُعد شرطاً لإعفاء الطرف المخالف من نتائج عدم تنفيذه لالتزامه [321] .

لكن تقدير التوقع يصعب التعويل فيه على المعلومات الشخصية للطرف المخالف وحدها، ذلك أن معلوماته فى هذا الشأن وتقديره لهذه المعلومات يمكن أن يتأثر بعوامل كثيرة: فقد يمتنع الطرف المضرور بقصد أو بدون قصد عن إخطاره ببعض التوقعات أو المعلومات الضرورية، وقد يهمل طرف ثالث فى توصيل هذه المعلومات إليه، وقد تصل كل المعلومات الضرورية إليه لكنه يعجز عن ترتيبها أو تفسيرها أو تقديرها على النحو الصحيح لنقص إدراكه أو خبرته. أضف إلى ذلك صعوبة إقامة الدليل على مثل هذه الأمور الشخصية، ولو أقيم الدليل على وجودها فإن تقديرها يختلف من شخص إلى آخر. الأمر الذى أصبح معه التعويل على المعيار الشخصى وحده غير متناسب مع احتياجات التجارة الدولية، وأصبح البحث عن معيار موضوعى يضاف إليه أمراً لازماً [322] .

83- وعثرت اتفاقية فيينا على هذا المعيار الموضوعى متمثلاً فى علم شخص عاقل Personne raisonnable من صفة الطرف المخالف وفى نفس ظروفه، فشرط التوقع يكون متوافراً إذا كان الطرف المخالف يتوقع فعلاً هذه النتيجة، كما يكون متوافراً أيضاً ولو لم يتوقعها إذا كان من الممكن لشخص عاقل سوى الإدراك من صفة الطرف المخالف وفى نفس ظروفه أن يتوقعها [323] . أى أن الاتفاقية قد أخذت بتوقع الطرف المخالف للنتيجة، أو بقدرته على هذا التوقع، حتى ولو لم يتوقعها فعلاً [324] .

 وكانت اتفاقية لاهاى قد اقتربت من هذا المعيار، إذ رغم أنها لم تعتد إلا بعلم الطرف المخالف وحده أو إمكانية علمه [325] ، إلا أنها فسرت اصطلاح "يعلم أو ينبغى له أن يعلم"، بأن العبرة تكون عندئذ "بما كان ينبغى أن يعلمه شخص عاقل من ذات الصفة إذا وجد فى نفس الظروف" [326] .

 وقد عرف القانون المصرى هذا الشخص الوهمى وأطلق عليه "الشخص العادى أو المعتاد" [327] . أما فى القانون الإنجليزى والقوانين التى أخذت عنه فقد أطلق عليه "الشخص العاقل" reasonable person، وهو تعبير شائع فى هذه القوانين [328] ، وقد أخذت الاتفاقية بهذا التعبير الأخير فى نسختها الإنجليزية وفى نسخها بجميع اللغات الأخرى، حيث أطلق عليه بالفرنسية Personne raisonnable، وتمت ترجمته فى النسخة العربية إلى "شخص سوى الإدراك"، وهى ترجمة تعبر بدقة عن المعنى الذى قصدته الاتفاقية [329] .

 84- والشخص سوى الإدراك الذى اعتمدت الاتفاقية على علمه، لتقدير توقع الطرف المخالف للنتيجة المترتبة على مخالفته، يجب أن يتوافر فيه أمران: الأول: أن يكون من نفس صفة الطرف المخالف de même qualité [330] ، أى أن يكون تاجراً يمارس التجارة الدولية فى نفس نوع التجارة التى يمارسها الطرف المخالف، وأن يكون فى نفس ظروفه الاجتماعية والاقتصادية، ويشمل ذلك اللغة والدين والمستوى المهنى العام [331] , وأن يكون وسطاً فى إدراكه وخبرته فى مدى حرصه ويقظته [332] .

 والأمر الثانى: أن يكون فى نفس ظروف الطرف المخالف dans la même situation [333] . ويعتد فى ذلك بكافة الظروف المحيطة والتى ترجع إلى ظروف السوق العالمى أو المحلى والتشريعات والسياسات والمناخ، وكل ما يتعلق بالحالة موضوع البحث [334] .

 وقد أرادت الاتفاقية بأخذها بهذا المعيار تأكيد ترجيحها للضوابط الموضوعية، وكانت قد جعلته القاعدة العامة فى تفسير البيانات والتصرفات الصادرة عن أحد الطرفين إذا تعذر معرفة قصده منها أو كان الطرف الآخر لا يعلم بهذا القصد ولم يكن فى استطاعته هذا العلم، إذ تفسر هذه البيانات والتصرفات وفقاً لما يفهمه شخص سوى الإدراك من نفس صفة الطرف الآخر إذا وضع فى نفس الظروف [335] . وفى هذه الحالة يجب أن يؤخذ فى الاعتبار جميع الظروف المتصلة بالحالة، لاسيما المفاوضات التى تكون قد تمت بين الطرفين والعادات التى استقر عليها التعامل بينهما والأعراف وأى تصرف لاحق صادر عنهما [336] .

 ويقع عبء إثبات عدم التوقع على عاتق الطرف المخالف، ويجب عليه إثبات أمرين: الأول أنه هو نفسه لم يتوقع بأى حال من الأحوال الضرر الجوهرى الذى تسبب فى إحداثه، والثانى أنه لا يوجد شخص سوى الإدراك من نفس صفته وفى نفس ظروفه يمكن أن يتوقع مثل هذا الضرر [337] .

 85- وقت التوقع: ولم تحدد الاتفاقية الوقت الذى يتعين أن يتوافر فيه توقع الطرف المخالف لنتيجة مخالفته، هل هو وقت التعاقد أم وقت ارتكاب المخالفة؟. وكان قد قدم أثناء مناقشة مشروع الاتفاقية اقتراحاً بإضافة عبارة "وقت إبرام العقد"، لكن هذا الاقتراح لم يلق قبولاً فتم استبعاده [338] ، وترك هذا الأمر لكى يحسمه القضاء إذا ثار نزاع بشأنه أمامه [339] .

 86- ذهب رأى إلى أن بحث توافر هذا التوقع يجب أن يكون وقت إبرام العقد، وأنه كان منطقياً إضافة هذه العبارة إلى نص المادة لتقدير توقع الطرف المخالف [340] . إذ أن العقد الذى لا يتفق فيه على اعتبار تاريخ التسليم أمراً جوهرياً، لا يتصور أن يتحول فيه هذا التاريخ لكى يصبح من جوهر العقد إذا علم البائع بعد ذلك أن المشترى ألزم نفسه ببيع البضاعة فى هذا الوقت [341] .

 وقد يحتج أصحاب هذا الرأى بأن اتفاقية لاهاى كانت قد تطلبت توافر شرط العلم بالمخالفة وآثارها وقت إبرام العقد [342] . فيؤخذ بذات الحكم في اتفاقية فيينا مادامت لم تخالفه صراحة.

 كما يمكن لهم الاحتجاج بأن اتفاقية فيينا قد اعتدت بوقت انعقاد العقد فى حالتين: الأولى عندما أجازت للمشترى فى عقد البيع الذى يتضمن تسليم البضاعة على دفعات إذا أعلن فسخ العقد بالنسبة لإحدى الدفعات أن يعلن فى نفس الوقت فسخ العقد بالنسبة للدفعات التى تم استلامها أو بالنسبة للدفعات المقبلة إذا كان لا يمكن استعمال هذه البضائع فى الأغراض التى أرادها الطرفان وقت انعقاد العقد بسبب عدم قابليتها للتبعيض [343] .

 والحالة الثانية عندما لم تسمح بأن يتجاوز التعويض قيمة الخسارة والربح الضائع التى توقعها الطرف المخالف أو التى كان ينبغى له أن يتوقعها وقت انعقاد العقد فى ضوء الوقائع التى كان يعلم بها أو التى كان من واجبه أن يعلم بها كنتائج متوقعة لمخالفة العقد [344] .

 فتقدير الأغراض التى أراد الطرفان استعمال البضاعة فيها، وتقدير توقع الطرف المخالف للخسارة اللاحقة والكسب الفائت لتحديد قيمة التعويض يرجع فيهما إلى وقت انعقاد العقد. لذلك يمكن القول بأنه يتعين دائماً الرجوع إلى وقت انعقاد العقد لتقدير توقع الضرر قياساً على هذين الحكمين [345] .

 87- لكن اتفاقية لاهاى إذا كانت قد عولت على وقت إبرام العقد لتقدير توافر العلم بالمخالفة وآثارها، فإن هذا الحكم قد انتقد لأن المتغيرات التى قد تحدث وقت ارتكاب المخالفة قد تؤدى إلى اختلاف ظروف السوق عن وقت إبرام العقد، وبالتالى يختلف التقدير فى هذا الوقت عن ذاك [346] . وكذلك لصعوبة تصور أن يقدم أحد على التعاقد إذا علم فى ذلك الوقت أن من سوف يتعاقد معه سوف يرتكب مخالفة للعقد ولو كانت بسيطة، إذ المنطقى أن يحجم عن التعاقد معه ليلجأ إلى آخر يلتزم بما يتم الاتفاق عليه [347] .

 أضف إلى ذلك أن اتفاقية فيينا قد خلت من حكم مماثل، ولا يعنى ذلك أنها أرادت متابعة اتفاقية لاهاى فى ذات الحكم، إذ أن الاقتراح الذى قدم بإضافة عبارة "وقت إبرام العقد" قد تم رفضه صراحة.

  ولا يصح القياس على الحكمين اللذين أوردتهما الاتفاقية واعتدت فيهما بوقت إبرام العقد، لاختلاف موضوعهما عن الموضوع الماثل، إذ أنهما يتعلقان بغرض الطرفين من البضاعة وتقدير التعويض، بينما نحن هنا بصدد توقع الضرر باعتباره أحد عناصر المخالفة الجوهرية [348] . ولأنه لو أرادت الاتفاقية تعميم هذا الحكم لذكرت ذلك صراحة.

 كما أن مؤدى الأخذ بوقت إبرام العقد أن يتعذر إجراء أى تعديل لما تم الاتفاق عليه فى العقد، ولا يعتد بأى تغير يطرأ في الظروف بعد إبرامه. فإذا أخطر المشترى البائع بعد إبرام العقد بضرورة تسليم البضاعة كاملة دون نقص لاحتياجه الشديد إلى ذلك، لكن البائع سلم البضاعة وبها نقص جرى العرف على التسامح فيه، فإن المخالفة هنا لا تكون جوهرية حتى ولو لحق المشترى بسببها ضرر جوهرى، لأن البائع لا يمكن له توقع مثل هذه النتيجة وقت إبرام العقد إذا لم يخطره المشترى بها إلا بعد ذلك [349] .

 88- لذلك نرى أن تقدير توقع الطرف المخالف للضرر الجوهرى الذى لحق الطرف الآخر يكون وقت ارتكاب المخالفة التى أدت إلى هذا الضرر. إذ يصعب على المتعاقد أن يقدر وقت إبرام العقد المتغيرات التى قد تحدث بعد ذلك وتؤدى به إلى ارتكاب مخالفة للعقد [350] .

 ويؤدى الأخذ بهذا الرأى إلى وجوب الاعتداد بأى تغيرات تطرأ على ظروف السوق بعد إبرام العقد وتؤدى إلى تغير موقف أحد الطرفين. فلو حدثت تقلبات اقتصادية فى دولة المشترى يعلمها البائع أدت إلى وجوب الالتزام بدقة بوقت التسليم المتفق عليه وإلا تعرض المشترى لخسائر فادحة، فإن أى تأخير فى التسليم عن هذا الوقت ولو كان مما يتسامح فيه عادة يعد مخالفة جوهرية لأن البائع يجب أن يتوقع ما يترتب عليه من ضرر جوهرى للمشترى.

 كما يؤدى الأخذ بهذا الرأى إلى وجوب الاعتداد بأى معلومات إضافية تصل إلى علم أحد الطرفين بعد إبرام العقد، مادام لا يوجد ما يحول دون تنفيذه لما هو مطلوب منه بموجبها، ولا يمثل ذلك عبئاً جديداً عليه. فلو تعاقد طرفان على بيع سلعة اتفق على تغليفها حتى يتمكن المشترى من إعادة بيعها، وبعد وقت قصير من إبرام العقد علم البائع أنه يجب وضع بيان معين على الغلاف وأن ذلك يعد شيئاً جوهرياً لإمكان إعادة البيع فى بلد المشترى، فإن عدم قيام البائع بذلك سوف يشكل مخالفة جوهرية ولا يحق له التمسك بعدم توقعه الضرر الذى لحق المشترى من جرائها [351] .

  89- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن الاتفاقية رغبة منها فى تقييد الحق فى فسخ العقد لم تكتف باشتراط ارتكاب أحد المتعاقدين مخالفة للعقد ترتب ضرراً جوهرياً للمتعاقد الآخر، ولكنها أضافت إلى ذلك اشتراط أن يكون هذا الضرر متوقعاً بأن يتوقعه الطرف المخالف وكذلك يتوقعه كل شخص سوى الإدراك من صفته وفى نفس ظروفه.

 وأظهرت الاتفاقية ترجيحها للضوابط الموضوعية بقياسها توقع الضرر بمعيار موضوعى يتمثل فى علم شخص عاقل أو وفقاً لتعبير الاتفاقية سوى الإدراك - من صفة الطرف المخالف إذا وجد فى نفس ظروفه. ويقع على الطرف المخالف عبء إثبات هذا التوقع.

 ويتم تقدير التوقع وقت ارتكاب المخالفة، على خلاف ما ذهب إليه البعض من أن هذا التقدير يكون وقت إبرام العقد.

المبحث الثانى

تطبيقات لفكرة المخالفة الجوهرية

 90- تمهيد: يجب للتحقق من عدم تنفيذ الالتزام المقارنة بين حدود الالتزام كما نشأ والكيفية التى تم التنفيذ عليها [352] . والأصل أن حدود الالتزام يوضحها ما تم الاتفاق عليه فى العقد، أى إرادة المتعاقدين، فهى المرجع الأساسى للتعرف على هذه الحدود. وكما قيل بأن المتعاقدين هما أفضل قضاة لتحديد ما فرض عليهما من التزامات [353] .

 فإذا خلا العقد من بيان لهذه الالتزامات يرجع إلى الأعراف التى اتفق عليها الطرفان والعادات التى استقر عليها التعامل بينهما، وكذلك إلى الأعراف المعروفة على نطاق واسع وتراعى بانتظام فى التجارة الدولية فى العقود المماثلة السارية فى نفس فرع التجارة مادام قد علم بها الطرفان أو كان ينبغى عليهما أن يعلما بها [354] .

 ويرجع أخيراً إلى أحكام الاتفاقية إذا اتفق المتعاقدان صراحة على ذلك، أو لتكملة ما اعترى عقدهما من نقص بخصوص موضوعات سكتا عنها ولم ينظماها، إذ أن الصفة التكميلية للاتفاقية هى أحد خصائصها الرئيسية [355] .

 91- الالتزام بتحقيق نتيجة والالتزام ببذل عناية: ولتحديد ما إذا كان المتعاقد قد قام بتنفيذ التزامه وفقاً لحدوده سالفة البيان، ينبغى التفرقة بين الالتزام بتحقيق نتيجة obligation de résultat والالتزام ببذل عناية obligation de moyens [356] . فالالتزام بتحقيق نتيجة لا يكون تنفيذه إلا بتحقيق نتيجة معينة هى محل الالتزام، فإذا لم تتحقق هذه النتيجة بقى الالتزام غير منفذ. أما الالتزام ببذل عناية فهو التزام ببذل الجهد للوصول إلى غرض معين تحقق هذا الغرض أو لم يتحقق. فيجب أن يبذل المدين مقداراً معيناً من العناية، هو ما يبذله الشخص العادى، ومتى بذل هذه العناية المطلوبة منه يكون قد نفذ التزامه حتى ولو لم يتحقق الغرض المقصود [357] .

 والغالب أن تكون التزامات المتعاقدين الأساسية فى عقد البيع هى التزامات بتحقيق نتيجة، ما لم يتفق على خلاف ذلك، إذ أن المشترى لا يتعاقد إلا بقصد الوصول إلى نتيجة معينة هى حصوله على البضاعة المبيعة، ولا يتعاقد البائع إلا للحصول على مقابل هذه البضاعة. ومن ثم لا يكون البائع قد نفذ التزاماته الرئيسية فى عقد البيع إلا إذ قام بتسليم البضاعة والمستندات مطابقة لما اتفق عليه فى العقد، ولا يجديه القول بأنه بذل جهداً لتحقيق هذه النتيجة ولم يستطع. ولا يكون المشترى قد نفذ التزاماته الرئيسية فى العقد إلا إذا قام فعلاً باستلام البضاعة المبيعة ودفع ثمنها للبائع، ولا يجديه أن يبذل جهده فى ذلك دون أن تتحقق هذه النتيجة.

 92- تحديد المخالفة الجوهرية: ويجب للقول بأن عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه يشكل مخالفة جوهرية أن يوضع تعريف المخالفة الجوهرية جنباً إلى جنب مع الالتزام المدعى الإخلال به ومع أحكام الاتفاقية الخاصة بعلاج الإخلال، وذلك لمعرفة ما إذا كان قد حدث إخلال فعلاً فى تنفيذ هذا الالتزام، ومدى إمكان علاج هذا الإخلال. لأن المخالفة الجوهرية إذا أمكن علاجها لا تعد جوهرية [358] .

 ويجب أن نضع فى اعتبارنا المبدأ العام الذى وضعته الاتفاقية، وهو تقييد الحق فى الفسخ وعدم اللجوء إليه إلا فى أضيق الحالات [359] . فيستبعد الفسخ كلما كان من الممكن إصلاح ما ألم بالعقد من عيب أو قصور، وكذلك يستبعد الفسخ إذا كان هناك جزاء آخر يمكن عن طريقه مواجهة ما صدر عن المتعاقد من إخلال كتخفيض الثمن والتعويض.

 والالتزامات الأساسية التى يتحمل بها البائع فى عقد البيع الدولى، والتى نظمتها الاتفاقية فى أحكامها، هى التزامه بتسليم البضائع والمستندات، والتزامه بالمطابقة. بينما تتمثل التزامات المشترى فى التزامين رئيسيين هما التزامه باستلام البضاعة والتزامه بدفع الثمن.

 فنتكلم عن تطبيقات لفكرة المخالفة الجوهرية على هذه الالتزامات، ونتناول أولاً التزامات البائع ثم التزامات المشترى.

المطلب الأول

التزامـــات البـــائع

 93- تتمثل التزامات البائع الأساسية فى عقد البيع فى التزامه بتسليم البضاعة، وتسليم المستندات المتعلقة بها، ونقل ملكيتها على النحو الذى يقتضيه العقد وأحكام الاتفاقية [360] . وإذا كانت اتفاقية فيينا لم تشر صراحة إلى الالتزام بالمطابقة كالتزام مستقل عن الالتزام بالتسليم [361] . فإنها قد أفردت له أحكاماً مستقلة مما يرجح القول باتجاه واضعى الاتفاقية إلى اعتباره التزاماً مستقلاً عن الالتزام بالتسليم [362] .

 وإذا كان البائع ملزماً بنقل ملكية البضاعة المبيعة إلى المشترى، فإن الآثار التى قد يحدثها العقد فى شأن ملكية هذه البضاعة لم تنظمها الاتفاقية بل استبعدتها صراحة من نطاق تطبيقها [363] . ويرجع ذلك إلى اختلاف التشريعات الوطنية بشأن هذه المسألة بحيث يصعب توحيد الحكم فيها فى نطاق اتفاقية دولية [364] .

 ونتكلم فيما يلى عن التزام البائع بتسليم البضاعة، والتزامه بتسليم المستندات، ثم التزامه بالمطابقة.  أولاً: الالتزام بتسليم البضاعة:

 94- التسليم الفعلى والتسليم الحكمى: لم تعرف اتفاقية فيينا الالتزام بالتسليم تاركة ذلك للفقه، نظراً للانتقادات التى تعرض لها تعريف التسليم فى اتفاقية لاهاى [365] . وقد اتجه الفقه إلى أن التسليم قد يكون فعلياً وقد يكون حكمياً.

 ويكون التسليم الفعلى بمناولة البضاعة من البائع إلى المشترى [366] . أى أن تتصل البضاعة بالمشترى اتصالاً مادياً وتدخل تحت سيطرته الفعلية هو أو من ينوب عنه [367] . فإن تعذر ذلك يكون التسليم الفعلى بوضع البضاعة تحت تصرف المشترى [368] ، بحيث يتمكن من حيازتها والانتفاع بها دون عائق. ولا يشترط فى هذه الحالة أن تنتقل الحيازة المادية للبضاعة إلى المشترى إذا كان لا يوجد ما يحول بينه وبين هذه الحيازة، على أن يخطره البائع بوضع المبيع تحت تصرفه [369] .

 وقد يكون التسليم الفعلى رمزياً، بتسليم مفتاح المخزن المودعة فيه البضاعة أو تسليم المستندات التى تمثل البضاعة، ويكون ذلك إذا تعذر مناولتها مادياً للمشترى لضخامة كميتها أو حجمها مثلاً. لكن يشترط لذلك أن تنتقل إلى المشترى السيطرة على المخزن الموجود به البضاعة، فلا يكفى تسليم المشترى مفتاح مخزن البضاعة إذا كان هذا المخزن داخل مصانع البائع بحيث لا يستطيع المشترى الوصول إليه، فلابد من الترخيص للمشترى بدخول المكان الموجود به المخزن حتى يكون البائع قد نفذ التزامه بالتسليم [370] .

 أما التسليم الحكمى فيمكن تعريفه بأنه "اتفاق على تغيير صفة الحائز للشىء المبيع، دون تغيير فى الحيازة الفعلية للشىء محل التسليم"، فهو اتفاق أو تصرف قانونى وليس عملاً مادياً [371] . ويتحقق ذلك إذا كان المبيع فى حيازة المشترى قبل البيع، كمودع لديه أو مرتهن، وبعد البيع يستمر فى حيازة البضاعة ولكن بصفته مالكاً. أو إذا كان المبيع فى حيازة البائع، وبعد البيع يستمر حائزاً له ولكن ليس بصفته مالكاً وإنما بصفته مودعاً لديه أو مرتهناً مثلاً [372] . وقد يتحقق ذلك فى صورة ثالثة إذا كانت البضاعة فى حيازة شخص من الغير، كمودع لديه لحساب البائع مثلاً، وبعد البيع يستمر هذا الغير فى حيازة البضاعة ولكن لحساب المشترى، بشرط أن يخطر المشترى أنه يحوز البضاعة لحسابه [373] .

 95- الالتزام بمكان التسليم: ويلتزم البائع بتسليم البضاعة فى المكان المتفق عليه فى العقد. فإذا اتفق المتعاقدان صراحة في العقد على تحديد هذا المكان، فيجب الرجوع إلى اتفاقهما فى هذا الشأن. وقد يتركا تحديد ذلك للأعراف التجارية السارية على هذا النوع من البيوع، والغالب أن يحيل المتعاقدان فى ذلك إلى المصطلحات التجارية الدولية Incoterms [374] . فإن لم يوجد اتفاق أو عرف طبقت الأحكام التى وضعتها الاتفاقية في هذا الخصوص.

 وقد تضمنت المصطلحات التجارية الدولية Incoterms تحديداً لمكان التسليم فى أنواع البيوع المختلفة التى نظمتها [375] . فقد يكون هذا المكان هو محل عمل البائع Ex Works، إما فى المصنع Ex factory أو فى مخازن البائع Ex warehouse، أو في المزرعة Ex plantation. وقد يكون البيع بشرط التسليم على القاطرة أو الشاحنة Free on rail - Free on truck، حيث يلتزم البائع بالتسليم على ظهر عربة السكة الحديد أو الشاحنة التى ستنقل البضاعة.

 وقد يكون البيع بشرط التسليم على رصيف ميناء الشحن Free along side ship  F.A.S ، وفى هذا البيع يلتزم البائع بوضع البضاعة على رصيف الميناء الذى تقف عليه السفينة الناقلة. وقد يكون مكان التسليم هو ظهر السفينة الناقلة فى ميناء القيام، كما هو الحال فى البيع سيف c.i.f. والبيع فوب f.o.b. والبيع C.&F.، حيث يلتزم البائع فى هذه البيوع بتسليم البضاعة على ظهر السفينة المحددة لشحن البضاعة.

  وقد يكون مكان التسليم هو ميناء الوصول، كما هو الحال فى البيع تسليم السفينة Ex ship حيث يلتزم البائع بتسليم البضاعة إلى المشترى على ظهر السفينة فى ميناء الوصول المحدد فى عقد البيع. وقد يمتد التزام البائع ليكون التسليم على رصيف ميناء الوصول أى بعد أن يتم تفريغ البضاعة، وهو البيع Ex quay.

 96- تحديد مكان التسليم وفقاً لاتفاقية فيينا: وضعت الاتفاقية أحكاماً لتحديد مكان التسليم إذا لم يتفق المتعاقدان على تحديد هذا المكان، ولم يحيلا فى ذلك إلى الأعراف التجارية السارية. فإذا تضمن البيع نقل البضاعة فإن التزام البائع بالتسليم يتم تنفيذه بتسليم البضاعة إلى أول ناقل remmettre les marchandises au premier transporteur لإيصالها إلى المشترى [376] . فيجب تمكين الناقل الأول من الحيازة المادية للبضاعة، وأن يكون وضعها فى حيازته على هذا النحو بقصد توصيلها إلى المشترى تنفيذاً لعقد البيع [377] .

 وهذا الحكم يتفق مع القواعد العامة التى تقضى بأنه إذا كان من الواجب تصدير المبيع إلى المشترى فإن التسليم يكون في محطة الشحن لأنها مركز أعمال البائع الملتزم بالتسليم، فيتم التسليم وقت الشحن [378] . على خلاف الحكم فى القانون المصرى الذى يقضى بأنه إذا وجب تصدير المبيع للمشترى فلا يتم التسليم إلا إذا وصل إليه [379] .

 أما إذا كان البيع يتعلق ببضاعة معينة بذاتها أو معينة بنوعها ستفرز من مخزون معين أو ستصنع أو سيتم إنتاجها، ويعرف الطرفان وقت إبرام البيع أن البضاعة موجودة فى مكان معين أو أنها ستصنع أو سيتم إنتاجها فى مكان معين، فإن التسليم يتم بوضع البضاعة تحت تصرف المشترى فى ذلك المكان Mettre les marchandises á la disposition de l'acheteur [380] . فيكفى هنا وضع البضاعة تحت تصرف المشترى فى مكان التسليم، أى أن يقوم البائع بكل الإجراءات اللازمة لتمكين المشترى من حيازة البضاعة دون اشتراط مناولتها إليه مادياً [381] .

 وفى غير الحالات سالفة الذكر يلتزم البائع بوضع البضاعة تحت تصرف المشترى فى المكان الذى يوجد فيه مكان عمل البائع وقت إبرام العقد [382] . وهذا الحكم يتفق مع البيع Vente á l'usine  Ex works  الذى يتم التسليم فيه فى منشأة البائع [383] .

 97- الالتزام بميعاد التسليم: ويلتزم البائع بتسليم البضاعة فى التاريخ المحدد فى العقد أو فى التاريخ الذى يمكن تحديده بالرجوع إلى العقد [384] . وإذا لم يشتمل العقد على مثل هذا التعيين، وجب التسليم فى التاريخ الذى يحدده العرف [385] .

 وإذا تم الاتفاق على أن يكون التسليم خلال مدة محددة، فإن البائع يستطيع التسليم فى أى وقت خلال هذه المدة، إلا إذا تبين من الظروف أنه قد ترك للمشترى اختيار موعد التسليم [386] .

 وإذا لم يعين فى العقد ميعاد للتسليم ولا يوجد عرف يعينه، كان البائع ملزماً بالتسليم خلال مدة معقولة من انعقاد العقد [387] . وهذه المدة تقدر حسب طبيعة البضاعة وحالتها وما إذا كانت موجودة فعلاً أم سيتم تصنيعها [388] .

 98- الإخلال بالالتزام بالتسليم: وإذا كان الالتزام بالتسليم يتحدد على النحو سالف البيان، فإن الإخلال به يتحقق إذا لم يقم البائع بتنفيذ هذا الالتزام أصلاً، وإذا قام بتنفيذه فى غير الميعاد المتفق عليه أو فى غير المكان المتفق عليه [389] .

 99-  1  عدم تنفيذ الالتزام بالتسليم: ولا خلاف على أن البائع إذا لم يقم بتنفيذ التزامه بالتسليم اعتبر مرتكباً مخالفة جوهرية تجيز للمشترى فسخ العقد. ذلك أن الالتزام بالتسليم هو التزام بتحقيق نتيجة [390] . فإذا لم تتحقق هذه النتيجة بتسليم البضاعة المبيعة إلى المشترى كان البائع مخلاُ بالتزامه، ولا يجديه فى هذه الحالة إثبات أنه قد بذل كل ما يستطيع من جهد لإتمام التسليم [391] .

 100- عدم التنفيذ بسبب هلاك المبيع: ويعد عدم تنفيذ البائع التزامه بالتسليم مخالفة جوهرية تجيز للمشترى فسخ العقد ولو كان عدم التنفيذ بسبب هلاك المبيع بقوة قاهرة [392] . ذلك أن اتفاقية فيينا جعلت أثر القوة القاهرة قاصراً على إعفاء المدين بالالتزام من التعويض، أما الالتزام ذاته فيظل مسئولاً عنه ويحق للدائن به استخدام كافة حقوقه الأخرى، ومنها حقه في إعلان الفسخ. فإذا تعذر على البائع تسليم البضاعة بسبب هلاكها بقوة قاهرة جاز للمشترى إعلان الفسخ واسترداد ما سبق أن عجله من الثمن، لكنه لا يحق له المطالبة بأى تعويضات [393] .

 وإذا اقتصر أثر القوة القاهرة على إعاقة تنفيذ الالتزام لفترة من الوقت فقط يتمكن البائع من التنفيذ بعدها، كأن يحدث إضراب للعمال فى مصانع البائع يتمكن من إنهائه، فإن الإعفاء من التعويض يحدث أثره خلال المدة التى يبقى فيها العائق قائماً فقط [394] . ولا يؤثر ذلك على حق المشترى فى فسخ العقد إذا كان التأخير الذى أدى إليه هذا العائق يشكل مخالفة جوهرية للعقد، بأن أدى إلى حرمان المشترى من المنفعة التى كان يقصدها من العقد، كما يحدث إذا كان لتاريخ التنفيذ أهمية خاصة له [395] .

 101- عدم التنفيذ بسبب فعل أو إهمال من المشترى: ولا يعد عدم تنفيذ البائع لالتزامه بالتسليم مخالفة جوهرية إذا كان ذلك راجعاً إلى فعل أو إهمال صادر من المشترى [396] . كأن يتعذر على البائع التسليم بسبب تخلف المشترى عن إرسال المواصفات أو الرسومات المتفق عليها فى العقد حتى يتم التنفيذ على أساسها فيعفى البائع فى هذه الحالة من تنفيذ التزامه، ولا يحق للمشترى استعمال أى حق من الحقوق التى نصت عليها الاتفاقية فى حالة الإخلال بالعقد ومنها فسخ العقد [397] .

  102- عدم التنفيذ بسبب حبس البضاعة: ولا يعد امتناع البائع عن تنفيذ التزامه بالتسليم مخالفة جوهرية، إذا كان بسبب استخدام البائع حقه فى حبس البضاعة حتى يستوفى حقه فى الثمن [398] . كما لا يعد كذلك إذا كان عدم التنفيذ راجعاً إلى استخدام البائع حقه فى وقف تنفيذ التزاماته [399] . إذ يحق للبائع وقف تنفيذ التزاماته إذا تبين بعد انعقاد العقد أن المشترى سوف لا ينفذ جانباً هاماً من التزاماته بسبب وقوع عجز خطير فى قدرته على التنفيذ أو بسبب إعساره [400] . ويحدث ذلك على سبيل المثال إذا كان الاتفاق فى العقد على التسليم أولاً ثم يتم الدفع بعد ذلك فى ميعاد لاحق، وعندما يستعد البائع للتسليم يكتشف أن المشترى قد أشهر إفلاسه وأنه لن يستطيع دفع الثمن، فيضطر فى هذه الحالة إلى وقف تنفيذ التزامه بالتسليم حتى يتبين أمر المشترى.

 بل إن للبائع فى هذه الحالة الأخيرة أن يوقف تسليم البضاعة للمشترى إذا كان قد أرسلها فعلاً إليه قبل علمه بالأسباب سالفة الذكر [401] . وكل ما يلتزم به البائع هو أن يوجه إلى المشترى إخطاراً بوقف تنفيذ التزاماته، ويجب عليه أن يستأنف التنفيذ إذا قدم له المشترى ضمانات كافية تؤكد عزمه على تنفيذ التزاماته [402] .

 103-  2  الإخلال بميعاد التسليم: ويتحقق الإخلال بميعاد التسليم إذا قام البائع بالتسليم بعد حلول الميعاد المتفق عليه في العقد، كما يتحقق الإخلال إذا قام بالتسليم قبل حلول هذا الميعاد.

 فإذا تأخر البائع فى تسليم البضاعة عن الميعاد المتفق عليه فى العقد، فلا يعد هذا التأخير فى ذاته مخالفة جوهرية إذا كان تأخيراً بسيطاً لم يسبب ضرراً جوهرياً للمشترى [403] .

 أما إذا اتفق على ميعاد محدد للتسليم، وعلم البائع بمدى أهمية هذا الميعاد للمشترى وضرورة الالتزام به بدقة، فإن أى تأخير فى التسليم بعد هذا الميعاد يشكل مخالفة جوهرية للعقد تجيز للمشترى إعلان فسخه [404] .

 فإذا لم يكن لميعاد التسليم هذه الأهمية، أى أنه لم يكن عنصراً جوهرياً فى العقد، فإن قيام البائع بالتسليم خلال فترة معقولة بعد انقضاء هذا الميعاد سوف يمنع وصف التأخير بأنه مخالفة جوهرية [405] . أما إذا تجاوز التأخير المدى الذى جرى العرف في التجارة الدولية على التسامح فى التأخير فيه بالنظر إلى نوع البضاعة موضوع العقد، فإن التأخير فى هذه الحالة يعد مخالفة جوهرية.

 104- التسليم المبتسر: وإذا قام البائع بتسليم البضاعة قبل حلول الميعاد المتفق عليه فى العقد، وهو ما يسمى بالتسليم المبتسر livraison anticipé، فإنه يكون مخلاً بتنفيذ التزامه إذ أن المشترى قد لا يكون على استعداد لاستقبال البضاعة، فيسبب له وصولها قبل الميعاد أضراراً ومضايقات ما كانت تحدث لو التزم البائع بالميعاد المتفق عليه فى العقد [406] . فقد يضطر المشترى لترك البضاعة على رصيف الميناء حتى يجهز مخازنه لتشوينها، أو يستأجر أماكن أخرى لوضعها بها، وقد لا يكون مستعداً للوفاء بالثمن إذا كان التسليم مرتبطاً به [407] .

 لكن هذا الإخلال لا يعد فى الغالب مخالفة جوهرية تبرر للمشترى إعلان فسخ العقد [408] . إذ وضعت اتفاقية فيينا حلاً لهذا الإخلال بإعطاء المشترى الحق فى رفض استلام البضاعة إذا سلمها البائع قبل التاريخ المتفق عليه [409] . وفى هذه الحالة يتحمل البائع نفقات إعادتها أو تخزينها حتى يحل ميعاد التسليم [410] .  فيلتزم البائع باسترداد البضاعة على أن يعيد تقديمها فى الميعاد المتفق عليه للتسليم. فإذا تعذر على البائع استردادها، لعدم استطاعته إعادتها إلى منشأته على سبيل المثال أو لعدم وجود مخازن له فى مكان التسليم، فإن المشترى يلتزم فى هذه الحالة بحيازتها لحساب البائع، بشرط أن يتمكن من القيام بذلك دون دفع الثمن ودون أن يتعرض لمضايقات أو يتحمل مصاريف غير معقولة [411] .

 105-  3  الإخلال بمكان التسليم: ولا يعد الإخلال بمكان التسليم فى الغالب مخالفة جوهرية، إذ يسهل إصلاح هذا الإخلال بإعادة البضاعة إلى المكان المتفق عليه، إلا إذا ترتب على ذلك تأخير غير مقبول في ميعاد التسليم.

 وهذا هو ما دفع واضعى اتفاقية لاهاى من قبل إلى الربط بين مكان التسليم وميعاده، وعدم اعتبار الإخلال بمكان التسليم مخالفة جوهرية إلا إذا ارتبط بإخلال جوهرى بميعاد التسليم [412] . لكن اتفاقية فيينا لم تتضمن مثل هذا الحكم. ثانياً: الالتزام بتسليم المستندات:

 106- يلتزم البائع بتسليم المشترى المستندات المتعلقة بالبضاعة المبيعة. ويعد هذا الالتزام من الالتزامات الأساسية فى البيوع الدولية التى تستدعى نقل البضاعة من دولة إلى أخرى، وهو لا يقل أهمية عن تسليم البضاعة ذاتها [413] . ذلك أن حيازة المشترى لهذه المستندات تمكنه من استلام البضاعة من الناقل عند وصولها، أو التصرف فيها فى الطريق قبل وصولها. كما تضمن مرورها عبر السلطات الإدارية للدولة التى تمر بها، وتعطى المشترى الحق في المطالبة بالتعويض إذا هلكت في الطريق [414] .

 107- ماهية المستندات المطلوب تسليمها: ولم تحدد الاتفاقية ماهية المستندات التى يتعين تقديمها تاركة ذلك لاتفاق المتعاقدين وللأعراف السارية بخصوص البضاعة المبيعة ونوع البيوع المتفق عليه. وقد تكون هذه المستندات ممثلة للبضاعة بحيث تعد حيازتها حيازة للبضاعة ذاتها [415] ، ومثالها سند الشحن بالنسبة للبضاعة المنقولة بحراً وسند الإيداع بالنسبة للبضاعة المودعة مخزن عام [416] . وقد تكون المستندات لازمة لإثبات مطابقة البضاعة لما تم الاتفاق عليه فى العقد ولتسهيل تداولها، كالفاتورة وشهادة المصدر أو المنشأ وشهادة المعاينة أو المطابقة والفاتورة القنصلية. كما قد تكون المستندات لازمة لضمان وصول البضاعة سالمة إلى المشترى مثل وثيقة التأمين. وقد تتعلق المستندات بإجراءات مرور البضاعة بين الدول وهى التى تستلزمها السلطات الإدارية للدولة كترخيص التصدير والشهادة الصحية [417] .

108- تسليم المستندات فى الزمان والمكان المتفق عليهما ومطابقتها: ويلتزم البائع بتسليم المستندات فى الزمان والمكان المتفق عليهما فى العقد وأن تكون هذه المستندات مطابقة للاتفاق أو العرف [418] . وقد استخدمت الاتفاقية للتعبير عن ذلك بالفرنسية عبارة remettre les documents [419] ، مما يعنى ضرورة تسليم المستندات تسليماً فعلياً للمشترى [420] .

فلا يعد البائع قد نفذ التزامه بالتسليم بإرسالها إلى المشترى، وإنما يجب أن يتسلمها المشترى فعلاً، فالعبرة ليست بخروج المستندات من حيازة البائع وإنما بدخولها حيازة المشترى [421] .

وإذا اتفق فى عقد البيع على ميعاد لتقديم المستندات وجب على البائع أو يراعيه بدقة، أما إذا خلا العقد من شرط صريح فى هذا الشأن فإن المستندات يجب أن تقدم للمشترى بعد الشحن بأسرع ما يمكن. فعلى البائع أن يبذل
العناية المعتادة لإرسال المستندات للمشترى فور حصوله عليها، دون أن يكون المشترى فى حاجة إلى إعذاره لتقديمها [422] .

109- تسليم المستندات عن طريق البنوك: والغالب فى البيوع الدولية أن يتم تسليم المستندات عن طريق البنوك من خلال الاعتماد المستندى، إذ يتفق البائع مع المشترى على أن يقوم الأخير بفتح اعتماد مستندى لدى أحد البنوك لصالح البائع بقيمة الثمن المحدد للبضاعة المبيعة، ويتفق المشترى مع البنك على ألا يوفى بقيمة الاعتماد للبائع إلا بعد أن يقوم الأخير بتسليم المستندات المتفق عليها إلى البنك ويتحقق البنك من مطابقتها لتعليمات المشترى، ثم يرسل البنك إلى البائع خطاباً يسمى خطاب الاعتماد lettre de credit يخطره فيه بشروط الاعتماد المفتوح من المشترى لصالحه. فيقوم البائع بإرسال مستندات البضاعة إلى البنك مرفقاً بها كمبيالة تعرف بالكمبيالة المستندية يسحبها البائع على البنك بثمن البضاعة. وقد يقوم البائع بخصم الكمبيالة المرفق بها المستندات لدى أحد البنوك فى بلدته فيحصل على ثمن البضاعة فوراً، ويتولى البنك الأخير إرسال مستندات البضاعة والكمبيالة المسحوبة من البائع إلى بنك المشترى الذى فتح الاعتماد، فيلتزم بدفع قيمة الكمبيالة إلى البنك الذى قام بخصمها بعد أن يتأكد من مطابقة المستندات لتعليمات المشترى [423] .

ويلتزم البنك فاتح الاعتماد بتنفيذ شروط الاعتماد ومطابقة المستندات المقدمة لهذه الشروط، وليست له أية سلطة فى التقدير أو التفسير لهذه المستندات. كما أنه ليس له قبول مستندات تعادل المستندات المطلوبة، وإنما لابد من تقديم المستندات المطلوبة نفسها إليه، وليس له اشتراط تقديم مستند أو أكثر لم يذكر صراحة فى خطاب الاعتماد [424] .

وقد قضت محكمة النقض المصرية بأن البنك فاتح الاعتماد لا يلزم بالوفاء إلا إذا كان هناك تطابق كامل بين المستندات وشروط فتح الاعتماد، دون أن يكون للبنك فى ذلك أدنى سلطة فى التقدير أو التفسير. وأيدت بالبناء على ذلك ما قام به البنك من رفض صرف قيمة الاعتماد نظراً لما اكتشفه من مخالفة بيانات الشهادة الزراعية الصحية لبيانات البضاعة فى باقى المستندات المقدمة من حيث عدد الصناديق المعبأة فيها ووزن كل صندوق، وأن تلك الشهادة تحمل تاريخاً لاحقاً لتاريخ الشحن مما شكك البنك فى سلامتها فضلاً عن خلوها من بيان صلاحية البضاعة وفق ما تنص عليه شروط
فتح الاعتماد [425] .

110- الإخلال بالالتزام بتسليم المستندات: ويحدث الإخلال بالالتزام بتسليم المستندات إذا لم يسلم البائع المستندات المتفق عليها، أو سلمها ناقصة، أو سلمها فى غير الميعاد المتفق عليه أو فى غير المكان المتفق عليه. كما يحدث الإخلال إذا كانت هذه المستندات غير مطابقة لما تم الاتفاق عليه في العقد سواء من حيث مضمونها أو من حيث شكلها [426] .

111-  1  عدم تسليم المستندات: فإذا لم يسلم البائع المستندات اعتبر - بالطبع - مرتكباً مخالفة جوهرية وجاز للمشترى إعلان فسخ العقد، ولا يعفيه من ذلك أن يكون عدم تنفيذه التزامه بسبب قوة قاهرة، إذ يظل فى جميع
الأحوال مسئولاً عن هذا الالتزام ولا يعفى إلا من التعويض فقط [427] .

لكن عدم تنفيذ البائع التزامه بتسليم المستندات لا يعد مخالفة جوهرية إذا كان راجعاً إلى فعل أو إهمال من المشترى. ولا يعد كذلك أيضاً إذا كان بسبب استخدام البائع حقه فى الحبس لحين الوفاء بالثمن، أو بسبب
استخدامه حقه فى وقف تنفيذ التزامه لما ظهر من أن المشترى سوف لا ينفذ جانباً هاماً من التزاماته، كأن يكتشف البائع أن المشترى قد أشهر إفلاسه أو أنه لا يمتلك الإمكانيات المادية أو المخازن فى مكان التسليم والتى تمكنه من استلام البضاعة [428] .

112-  2  الإخلال بميعاد ومكان تسليم المستندات: وإذا تأخر البائع فى تسليم المستندات، فإن هذا التأخير لا يعد مخالفة جوهرية إلا إذا ترتب عليه ضرر جوهرى يتمثل فى حرمان المشترى من المنفعة التى كان يقصدها من العقد، كأن يتعذر عليه استلام البضاعة من الناقل مما يؤدى إلى تركها على رصيف الميناء وتلفها، أو تضيع عليه فرصة بيعها فى الطريق بمكسب كبير كما كان ينوى. فإذا لم يترتب على التأخير مثل هذا الضرر فلا تعد المخالفة جوهرية ولا يجوز للمشترى فسخ العقد.

وإذا سلم البائع المستندات قبل الميعاد المتفق عليه، فالغالب ألا يعد ذلك مخالفة جوهرية لأن المشترى يستطيع أن يحتفظ بها حتى حلول الميعاد، بل إنها تعطيه فرصة مطالبة البائع بإصلاح ما قد يشوب هذه المستندات من نقص أو عيب. وقد جعلت الاتفاقية من إصلاح النقص فى مطابقة المستندات فى حالة التسليم المبتسر حقاً للبائع بشرط ألا يترتب على استعماله مضايقة للمشترى أو تحميله نفقات غير معقولة [429] .

وإذا سلم البائع المستندات فى غير المكان المتفق عليه، فالغالب ألا يعد ذلك مخالفة جوهرية، إذا أمكن إعادة المستندات إلى المكان المتفق عليه دون تأخير غير مقبول، أما إذا حدث مثل هذا التأخير فإن المخالفة تعد جوهرية.

113-  3  تسليم مستندات غير مطابقة: ويحق للمشترى رفض المستندات وإعلان فسخ العقد إذا كانت غير مطابقة للشروط المتفق عليها. فإذا لم يقدم البائع المستندات كاملة، أو كانت البيانات المدونة فيها غير كاملة،
أو بلغة غير اللغة المتفق عليها، أو كانت النسخ المقدمة منها غير كافية، أو كشفت المستندات المقدمة عن عدم مطابقة البضاعة لشروط العقد، ففى كل هذه الحالات إذا كان من المتعذر إصلاح ما يوجد بالمستندات من نقص أو
عيب اعتبرت المخالفة جوهرية، ويكون للمشترى الحق فى رفض هذه المستندات وإعلان فسخ العقد [430] .

وإذا كان التسليم عن طريق الاعتماد المستندى فالغالب أن تتشدد البنوك فى استلزام مطابقة المستندات لخطاب الاعتماد، وترفض المستندات ولو كان عدم المطابقة طفيفاً لا يشكل مخالفة جوهرية. وهذا العرف يكون هو المطبق ولا يحق للبائع مطالبة البنك بقبول المستندات لأن العيب طفيف، ذلك أن العرف فى هذه الحالة يغلب على أحكام الاتفاقية [431] .

ويجوز للمشترى التمسك بعدم مطابقة المستندات المقدمة رغم قبول البنك لها وسداد مقابل البضاعة [432] . ويرجع ذلك إلى أن البنك فاتح الاعتماد لا يعد وكيلاً عن المشترى أو كفيلاً له، ويستقل التزامه بسداد قيمة الاعتماد عن
عقد البيع القائم بين البائع والمشترى [433] . فإذا اكتشف المشترى أن المستندات التى قدمت للبنك تخالف عقد البيع سواء من ناحية الشكل أو المضمون، يستطيع أن يرجع على البائع بما يرفع الضرر الذى لحقه من جراء ذلك، سواء بالفسخ أو التعويض.

وقد قضت فى ذلك محكمة النقض المصرية أن البنك الذى يفتح اعتماداً مستندياً للوفاء بثمن صفقة تمت بين تاجرين لا يعتبر وكيلاً عن المشترى فى الوفاء للبائع بقيمة الاعتماد كما لا يعتبر ضامناً أو كفيلاً يتبع التزامه التزام عميله المشترى، بل يعتبر التزامه فى هذه الحالة التزاماً مستقلاً عن العقد القائم بين البائع والمشترى [434] .

ثالثاً: الالتزام بالمطابقة:

114- يلتزم البائع بأن يسلم بضاعة تكون كميتها ونوعيتها وأوصافها وكذلك تغليفها أو تعبئتها مطابقة لأحكام العقد [435] . فالعقد هو ضابط المطابقة، فيرجع إليه لتحديد قدر البضاعة والصفات اللازم توافرها فيها، فإذا تم تسليم بضاعة تخالف ما اتفق عليه فى العقد يكون البائع قد أخل بالتزامه بالمطابقة [436] . وإذا لم يتضمن العقد تحديداً لذلك، فيرجع إلى الأعراف السارية فى التجارة الدولية بخصوص هذا النوع من البيوع. وبالإضافة إلى ذلك فقد وضعت اتفاقية فيينا أحكاماً تكميلية توضح عناصر المطابقة إذا لم يتفق المتعاقدان على ما يخالفها.

115- صلاحية البضاعة للاستعمال المعتاد والخاص: فيجب أن تكون البضاعة صالحة للاستعمال فى الأغراض التى تستعمل من أجلها عادة بضائع من نفس النوع، وأن تكون صالحة للاستعمال فى الأغراض الخاصة التى أحيط بها البائع علماً، صراحة أو ضمناً، وقت انعقاد العقد [437] .

ويواجه هذا الحكم حالتين: الأولى عندما لا يقصد المشترى استعمال البضاعة فى غرض خاص، وإنما هو يريدها صالحة للاستعمال فى جميع الأغراض التى تعدلها عادة. كما يحدث عندما يشترى تاجر تجزئة بضاعة من تاجر جملة ليعيد بيعها للمستهلكين، فيلزم أن تكون هذه البضاعة صالحة لكل استعمال تعد له عادة بضاعة من نوعها [438] . ويقصد من ذلك أن تكون
البضاعة ذات صلاحية تجارية d
e qualité marchande، أى يمكن إعادة بيعها وتداولها فى العمليات التجارية الجارية [439] .

والحالة الثانية أن يقصد المشترى استعمال البضاعة فى غرض خاص، كأن يتعاقد مع البائع على شراء سيارات تصلح للسير فى الطرق الصحراوية، فإذا سلمه سيارات غير صالحة لذلك يكون تخلف عن تنفيذ التزامه بالمطابقة [440] . ويفترض أن هذا الاستعمال الخاص للبضاعة قد علم به البائع وقت التعاقد، فدخل بذلك فى النطاق العقدى، وأصبح البائع ملزماً بالاستجابة
لما طلبه المشترى لأنه أكثر تخصص منه [441] .

فيجب على المشترى أن يحيط البائع علماً بالاستعمال الذى يقصده من البضاعة صراحةً أو ضمناَ، ويقع عليه بالتالى عبء إثبات قيامه بذلك [442] . وقد يستنتج العلم الضمنى بهذا الاستعمال من ذكره أثناء المفاوضات التى
دارت بين الطرفين، أو من صفة المشترى [443] . كما يمكن أن يستنتج من التفسير الضمنى لشروط العقد، وعلى وجه الخصوص الثمن الذى تم تحديده للبضاعة المبيعة [444] .

116- تضمن البضاعة للصفات السابق عرضها كعينة أو نموذج: ويجب أن تكون البضاعة متضمنة الصفات التى سبق للبائع عرضها على المشترى كعينة échantillon أو نموذج modele [445] . فالغالب فى البيوع الدولية أن المشترى لا يرى البضاعة المبيعة قبل التعاقد، وإنما يبرم العقد بمقتضى أوصاف تذكر فيه، وتؤخذ عادة من عينات أو نماذج يرسلها البائع ليختار منها المشترى السلعة التى يرغبها [446] .

فإذا اتفق فى العقد على مطابقة البضاعة لعينة، فإن البضاعة يجب أن تكون مطابقة لهذه العينة مطابقة تامة، بحيث يكون للمشترى أن يرفض البضاعة أو أى جزء منها لا يكون مطابقاً لها، حتى ولو أثبت البائع أنها من صنف أعلى أو أجود من العينة ذاتها [447] . ذلك أن العينة هى المبيع مصغراً، وهى تغنى عن رؤية المبيع، إذ أن المشترى برؤيته للعينة يكون فى حكم من رأى المبيع. وبمضاهاة المبيع على العينة يتبين إذا كان البائع قد نفذ التزامه تنفيذاً سليماً فيما يتعلق بالأوصاف التى يتميز بها المبيع [448] .

أما إذا كان الاتفاق على مطابقة العقد لنموذج، فإن هذا النموذج يجب أن يؤخذ فى الاعتبار كعنصر من عناصر تقدير نوع أو صنف البضاعة المبيعة، ولكن لا يشترط أن تطابق البضاعة النموذج مطابقة تامة [449] . إذ يكفى أن يشتمل المبيع على العناصر الأساسية التى يقوم عليها النموذج حتى لو وجدت فروق بسيطة بين المبيع والنموذج ما دام المبيع صالحاً للغرض المخصص له [450] .

117- تعبئة وتغليف البضاعة: ويجب أن تكون البضاعة معبأة أو مغلفة بالطريقة التى تستعمل عادة فى تعبئة أو تغليف البضائع من نوعها، وفى حالة عدم وجود الطريقة المعتادة تكون التعبئة والتغليف بالكيفية المناسبة
لحفظها وحمايتها [451] .

ويرجع اهتمام اتفاقية فيينا بتنظيم مسألة تغليف وتعبئة البضاعة إلى أهميتها الكبيرة فى التجارة الدولية، إذ يتم نقل البضاعة لمسافات طويلة، قد تتعدد فيها وسائل النقل وتتعرض خلالها لتغيرات مناخية كثيرة، مما يستلزم ضرورة تغليفها وتعبئتها بما يتناسب مع الأخطار التى تتعرض لها، إذ أن الكثير من العيوب التى تظهر فى مطابقة البضاعة تكون نتيجة إهمال
تجهيزها وتعبئتها [452] .

لذلك جعلت الاتفاقية تغليف وتعبئة البضاعة عنصراً من عناصر مطابقتها، وألزمت البائع بالقيام بذلك ليس بالنسبة للبضاعة التى سيقوم بنقلها فقط، وإنما أيضاً بالنسبة للبضاعة التى سيتم تسليمها بوضعها تحت تصرف المشترى فى منشأة البائع، وذلك حتى يتمكن المشترى من نقلها بعد ذلك، ولا يعفى البائع من هذا الالتزام إلا إذا اتفق صراحةً فى العقد على أن يتحمله المشترى [453] .

ويجب أن يتم تغليف البضاعة وتعبئتها بالطريقة التى تستعمل عادة فى تغليف وتعبئة البضاعة من نوعها، وهذه الطريقة المعتادة هى التى يقررها العرف فى التجارة الدولية، فإن لم يوجد فما جرى عليه العمل فى منشأة البائع مع الوضع فى الاعتبار الشروط اللازمة لنقل البضاعة [454] . ويقع على البائع عبء اختيار هذه الطريقة المناسبة لتغليف وتعبئة البضاعة لأن عدم قيامه
بذلك قد يؤدى إلى اعتبار البضاعة غير مطابقة [455]  وهذا الحكم يمثل الحد الأدنى المتطلب فى هذا الشأن، لكن البائع يستطيع أن يستعمل أى طريقة أخرى تكفل حماية أكبر للبضاعة أثناء النقل إذا كان ذلك على نفقته الخاصة [456] .

والقصد من اشتراط التغليف والتعبئة هو المحافظة على البضاعة وحمايتها أثناء النقل، فيجب أن يتم بالطريقة التى يتجنب بها حدوث أى تلف أو فساد لها أثناء نقلها، وأن يوضع عليها العلامات الضرورية التى توضح طبيعتها خاصة إذا كانت سهلة الكسر أو سريعة الاشتعال أو من المواد الخطرة، وأن يتوافق هذا الإجراء مع تشريعات دولة المشترى والتى يعلم بها البائع، خاصة ما يتعلق منها بإجراءات الحماية الصحية [457] .

وإذا لم تكن هناك طريقة معتادة لتعبئة وتغليف البضاعة، فيجب القيام بذلك بأى كيفية تكفل الحفاظ على البضاعة وحمايتها، وقد قصد من إضافة هذا الحكم مواجهة المبتكرات الحديثة التى لم يستقر العرف بعد على كيفية معينة لتعبئتها وتغليفها [458] .

118- ضمان تعرض الغير: ويجب على البائع أن يسلم بضائع خالصة من أى حق أو إدعاء للغير، إلا إذا وافق المشترى على أخذ البضائع مع وجود مثل هذا الحق أو الإدعاء [459] . فالبائع يضمن للمشترى كل تعرض يصدر من الغير، سواء كان يستند إلى حق أم إلى مجرد إدعاء، بشرط أن يتعلق بحق عينى أو إدعاء حق عينى على البضاعة المبيعة، أما التعرض الصادر من السلطة العامة بسبب رفض دخول البضاعة لمخالفتها الشروط الصحية مثلاً فلا يضمنه لأنه تعرض مادى لا يشمله هذا الحكم [460] .

ويضمن البائع أيضاً أن تكون البضاعة خالصة من أى حق أو إدعاء للغير مبنى على أساس الملكية الصناعية أو الفكرية، إذا كان البائع يعلم به أو لا يمكن أن يجهله وقت انعقاد العقد [461] . فيجب على المشترى إثبات أن البائع يعلم بوجود هذا الحق أو الإدعاء المتعلق بالملكية الصناعية أو الفكرية، أو إثبات أنه لا يمكن أن يجهل وجود مثل هذا الحق أو الإدعاء، بأن كان
من الواجب أن يعلمه أى شخص سوى الإدراك من صفة البائع إذا وجد في نفس الظروف [462] .

ويشترط أن يكون الحق أو الإدعاء مبنياً على أساس الملكية الصناعية أو أى ملكية فكرية أخرى وذلك بموجب قانون الدولة التى سيعاد فيها بيع البضائع أو استعمالها إذا كان الطرفان قد توقعا وقت انعقاد العقد أن البضائع ستباع أو تستعمل فى تلك الدولة، أو بموجب قانون الدولة التى يوجد فيها مكان عمل المشترى [463] .

119- علاج العيب فى المطابقة: إذا كانت حدود الالتزام بالمطابقة تتحدد على النحو سالف البيان فإن البائع إذا أخل بهذا الالتزام لا يعد إخلاله مخالفة جوهرية للعقد إذا أمكن علاجه، سواء قبل التاريخ المتفق عليه للتسليم
أو بعده [464] . فما دام قد تم علاج العيب فى المطابقة لن يلحق المشترى من جراء ذلك ضرر جوهرى.

ففى حالة تسليم البضائع قبل الميعاد، يحتفظ البائع حتى ذلك الميعاد بحق تسليم الجزء أو الكمية الناقصة من البضائع المسلمة أو توريد بضائع بديلة للبضائع غير المطابقة لما جاء فى العقد أو إصلاح العيب فى مطابقة البضائع، بشرط ألا يترتب على استعمال هذا الحق مضايقة للمشترى أو تحميله نفقات غير معقولة [465] .

أما إذا تم التسليم فى الميعاد المتفق عليه، وتبين عدم مطابقة البضاعة التى تم تسليمها، فإن البائع يحق له أيضاً إصلاح هذا العيب فى المطابقة ويلتزم المشترى بقبول ذلك [466] . بشرط أن يقوم البائع بذلك على نفقته الخاصة وألا يترتب عليه تأخير غير معقول ولا يسبب للمشترى مضايقة غير معقولة أو شكوكاً فى قيام البائع بدفع المصاريف التى أنفقها المشترى [467] .

ويجب لكى يستطيع البائع استعمال حقه فى إصلاح العيب فى المطابقة ألا يكون المشترى قد بادر إلى فسخ العقد، قبل أن يعلن هو رغبته في الإصلاح، إذ متى وقع الفسخ فلا مكان للإصلاح [468] .

120- اشتراط وجود العيب فى المطابقة وقت انتقال تبعة الهلاك:  ولا يعد العيب فى المطابقة مخالفة جوهرية إلا إذا كان موجوداً وقت انتقال تبعة الهلاك إلى المشترى، وإن لم يظهر هذا العيب إلا فى وقت لاحق [469] .
إذ أنه إذا لم يكن موجوداً فى ذلك الوقت فلن يمكن نسبته إلى البائع وعدم تنفيذه لالتزامه. فلا يسأل البائع إلا عن العيب الذى يكون موجوداً وقت انتقال تبعة الهلاك إلى المشترى، وقد حددت الاتفاقية هذا الوقت بأنه وقت التسليم، فتظل التبعة على البائع ما دام لم يسلم البضاعة، لكنها تنتقل إلى المشترى بمجرد تسليم البضاعة إليه [470] . فإذا كان المبيع حبوباً أصابها الفساد أثناء
النقل فأصبحت تخالف من ناحية نوعيتها وجودتها ما اتفق عليه فى العقد، فإن المشترى لا يستطيع أن يتمسك فى مواجهة البائع بعيب المطابقة، لكنه يستطيع ذلك إذا كانت الحالة التى وصلت عليها هى ذاتها الحالة التى تم تسليمها بها للناقل [471] .

وقد يظهر عيب المطابقة بعد انتقال تبعة الهلاك إلى المشترى، ولكى يسأل البائع عنه يجب أن تكون عناصره موجودة فى البضاعة قبل هذا الوقت [472] . مثال ذلك أن يكون المبيع منتجات غذائية، يكون مظهرها سليماً
عند التسليم ثم يظهر فسادها لسبب سابق على ذلك، أو يكون المبيع منتجات صناعية ويظهر عيبها عند الاستعمال ويرجع هذا العيب إلى المواد المستخدمة فى صناعتها [473] .

ويسأل البائع عن كل عيب فى المطابقة يظهر بعد وقت انتقال التبعة إلى المشترى حتى ولو لم يكن موجوداً وقتها، إذا أمكن نسبة هذا العيب إلى عدم تنفيذه أى من التزاماته، بما فى ذلك الإخلال بأى ضمان يقضى ببقاء البضائع خلال مدة معينة صالحة للاستعمال العادى أو للاستعمال الخاص أو محتفظة بصفاتها أو بخصائصها [474] . والفرض هنا أن العيب لم يكن موجوداً فى البضاعة وقت انتقال تبعة الهلاك لكنه حدث بعد هذا الوقت نتيجة عدم تنفيذ البائع لالتزاماته، والتطبيق العملى لهذه الصورة هو ما أشارت إليه المادة نفسها من إخلال البائع بالتزامه بالضمان، فإذا أخل البائع بالتزامه بإرسال مهندسيه للكشف على الأجهزة المبيعة أو إصلاحها، وترتب على ذلك توقفها عن العمل، أصبح مسئولاً عن هذا العيب رغم أنه لم يكن موجوداً وقت انتقال التبعة إلى المشترى [475] . كذلك تتحقق هذه الصورة إذا لم ينفذ البائع أحد التزاماته الثانوية كإبرام عقد النقل مع ناقل غير متخصص مما أدى إلى تعرض البضاعة لمخاطر أدت إلى تلفها، أو عدم تنفيذ التزامه بإعطاء
المشترى التعليمات الضرورية لاستعمال الأجهزة المبيعة، أو عدم تغليف البضاعة بصورة سليمة [476] .

121- أثر علم المشترى بالعيب فى المطابقة: وإذا كان العيب في المطابقة موجوداً وقت انتقال تبعة الهلاك، فإنه لا يعد مع ذلك مخالفة جوهرية للعقد إذا كان المشترى يعلم به وقت التعاقد أو لا يمكن له أن يجهله [477] . فلو كان المبيع حبوباً مخزونة لدى البائع منذ فترة طويلة حتى دب السوس فيها، فإن المشترى يفترض علمه بهذا العيب لأنه ظاهر لا يخفى على تاجر،
ولا ينبغى له أن يجهله حتى ولو لم يعلمه البائع به [478] . فلا يستطيع أن يحتج بهذا العيب لإعلان فسخ العقد.

وتعد هذه القاعدة تطبيقاً لمبدأ حسن النية الذى ينبغى أن يلتزم به المتعاقدان فى تعاملهما [479] . ذلك أن العيب فى المطابقة إذا كان ظاهراً للمشترى وقبل التعاقد بالرغم من ذلك فإنه يفهم من هذا القبول عدم أهمية العيب بالنسبة له أو أنه قبل أن تتضمن البضاعة هذا العيب [480] . فلا يلحق المشترى بذلك ضرر جوهرى وتظل منفعته متوافرة من إبرام العقد.

كذلك لا يسأل البائع عن أى حق أو إدعاء للغير مبنى على أساس الملكية الصناعية أو الفكرية إذا كان المشترى يعلم وجود هذا الحق أو الإدعاء وقت انعقاد العقد أو لا يمكن أن يجهله. ولا يسأل البائع أيضاً عن هذا الحق أو الإدعاء إذا كان ناتجاً عن اتباعه للخطط الفنية أو الرسوم أو التصاميم أو غير ذلك من المواصفات التى قدمها المشترى [481] .


122- نقص كمية البضاعة: وقد يتمثل إخلال البائع بالتزامه بالمطابقة فى تسليم كمية من البضاعة تقل عن الكمية المتفق عليها فى العقد، إذ اعتبرت الاتفاقية نقص كمية البضاعة عيباً فى المطابقة [482] . لكن هذا العيب لا يعد مخالفة جوهرية إذا كان النقص مما يتسامح فيه عادة. فقد تسمح الأعراف التجارية بقدر من النقص فى البضاعة المسلمة نتيجة للنقل أو الجفاف أو غير ذلك [483] . وتختلف نسب التسامح تبعاً لطبيعة ونوع البضاعة المبيعة، لكن النقص لا يكون مقبولاً ولو كان فى حدود هذه النسبة إذا لم يكن هناك مبرر له [484] . كأن يقوم البائع ببيع جزء من البضاعة فى حدود هذه النسبة.

وإذا لم يتم تحديد كمية المبيع بصورة جازمة، كما يحدث إذا كان البيع مع شرط "حوالى environ كمية معينة"، فإن العرف التجارى هو الذى يحدد عادة دلالة هذا التعبير والكمية المفروض تسليمها ونسبة السماح فى حالة النقص أو الزيادة [485] . والغالب ألا تتجاوز نسبة السماح فى هذه الحالة 10% زيادة أو نقصاً تحسب على أساس القدر المبين فى العقد [486] .

وإذا تجاوز النقص القدر المتسامح فيه فإن المخالفة لا تكون جوهرية أيضاً إذا أمكن مواجهتها بإجراء آخر خلاف فسخ العقد، كتخفيض الثمن مثلاً. ولا تكون المخالفة جوهرية إلا إذا أدى هذا النقص إلى عدم صلاحية كمية البضاعة المسلمة للاستعمال فى الأغراض التى تستعمل من أجلها عادة بضائع من ذات النوع [487] ، فيحرم المشترى بذلك من المنفعة التى كان يقصدها من العقد.

أما إذا كان نقص كمية البضاعة المسلمة بسبب استعمال البائع حقه فى حبس هذا القدر تحت يده ضماناً للوفاء بالثمن، فإنه لا يكون بذلك قد أخل بالتزامه بالمطابقة، لأنه يستعمل أحد الحقوق المقررة له حتى يستوفى حقه من الثمن [488] .

123- زيادة كمية البضاعة: ويعد إخلالاً بالالتزام بالمطابقة تسليم البائع كمية من البضاعة تزيد عن الكمية المتفق عليها فى العقد، إذ قد لا يكون لدى المشترى مخازن تتسع لهذه الكمية الزائدة مما يكبده مصاريف إضافية لاستئجار مخازن جديدة، أو لا تتحمل السوق تصريف هذه الكمية الزائدة فتظل راكدة لدى المشترى دون بيع، وقد لا تسمح ظروفه المالية بدفع ثمن
هذه الكمية الزائدة [489] .

لكن هذا الإخلال المتمثل فى تسليم كمية زائدة لا يعد فى الغالب مخالفة جوهرية تبرر فسخ العقد، إذ وضعت الاتفاقية علاجاً له يتمثل فى حق المشترى فى رفض هذه الكمية الزائدة [490] . فإذا سلم البائع كمية من البضائع تزيد عن الكمية المنصوص عليها فى العقد جاز للمشترى أن يستلم الكمية الزائدة أو أن يرفض استلامها، وإذا استلم المشترى الكمية الزائدة كلها أو
جزءاً منها وجب عليه دفع قيمتها بالسعر المحدد فى العقد [491] . ويفسر هذا النص بأن تسليم البائع للمشترى كمية أزيد من المتفق عليه فى العقد يعتبر عرضاً بعقد جديد، للمشترى أن يرفضه أو يقبله [492] .

فإذا رفض المشترى قبول الكمية الزائدة فلا يوجد وقت محدد لإعلان هذا الرفض [493] . لكن هذه الزيادة باعتبارها عيباً فى المطابقة يلتزم المشترى بأن يخطر البائع بها خلال فترة معقولة من اللحظة التى اكتشف فيها وجودها أو كان من واجبه اكتشافه وإلا فقد حقه فى التمسك بهذا العيب [494] . فإذا لم يوجه المشترى هذا الإخطار للبائع بوجود كمية زائدة فى البضاعة وعدم قبوله لها خلال فترة معقولة اعتبر أنه قابل للبضاعة [495] . كما أن حسن النية يفرض على المشترى استعمال حقه فى قبول الجزء الزائد من البضاعة أو رفضه خلال ميعاد معقول حتى لا يظل البائع قلقاً على مصير هذا المقدار الزائد [496] .

وإذا كان المشترى قد تسلم البضاعة وأراد استخدام حقه فى رفض الكمية الزائدة منها، فإنه يلتزم باتخاذ الإجراءات المعقولة المناسبة للظروف لضمان حفظها حتى يقوم البائع بإعادتها. وإذا كانت البضاعة قد وضعت تحت تصرفه فى مكان الوصول، فإنه يلتزم بحيازة هذا القدر الزائد لحساب البائع مادام لا يتعرض لمضايقات من جراء ذلك ولا يتحمل مصاريف غير معقولة، ويلتزم البائع بدفع المصاريف التى أنفقها المشترى فى ذلك، ويحق للمشترى حبس البضاعة حتى يسترد هذه المصاريف [497] .

أما إذا قبل المشترى القدر الزائد، فإنه يلتزم بدفع مقابل هذا القدر بالسعر المحدد فى العقد وليس بسعر السوق وقت التسليم [498] . ويترتب على ذلك أن المشترى سوف يستفيد من فرق السعر فى حالة زيادة الأسعار فى السوق فى ذلك الوقت عن السعر المحدد فى العقد. أما إذا انخفضت الأسعار فإنه يمكن أن يتفاوض مع البائع بشأن تخفيض الثمن فى مقابل قبوله الكمية الزائدة [499] .

وقد يتعذر على المشترى استلام القدر المتفق عليه فى العقد ورفض الكمية الزائدة، بسبب وجود سند شحن واحد للكمية كلها أو بسبب كيفية تعبئة البضاعة وتجهيزها بحيث يتعذر فصل الكمية الزائدة وحدها. وفى هذه الحالة لا يكون أمام المشترى إلا رفض البضاعة كلها وفسخ العقد إذا كانت الزيادة تمثل مخالفة جوهرية له، أو قبول البضاعة كلها والمطالبة بالتعويض عن الضرر الذى لحقه من جراء ذلك [500] .

124- أمثلة لحالات عدم مطابقة البضاعة: ويعد إخلال البائع بالتزامه بالمطابقة مخالفة جوهرية إذا سلم بضائع تختلف فى طبيعتها عن البضاعة المتفق عليها فى العقد [501] . وكذلك إذا كان هناك اختلاف كبير وجوهرى فى صنف البضاعة بحيث يكون من شأنه إعطائها وصفاً آخر غير ما اتفق عليه فى العقد [502] .

وإذا سلم البائع بضاعة غير صالحة للاستعمال فى الأغراض التى تستعمل من أجلها عادة بضاعة من نفس النوع أو غير صالحة للاستعمال فى الأغراض الخاصة التى أحيط بها البائع علماً وقت التعاقد، فالغالب أن تكون هذه المخالفة جوهرية. إذ يترتب على عدم استطاعة المشترى استعمال البضاعة الاستعمال المعتاد أو استعمالها الاستعمال الخاص الذى يقصده
أن يحرم بذلك من المنفعة التى كان يقصدها من العقد، فيكون الضرر الذى لحقه جوهرياً.

وإذا ظلت البضاعة رغم عدم مطابقتها صالحة لأى استعمال معتاد، فإن المخالفة لا تكون جوهرية إذا كان المشترى لم يحدد لها استعمالاً خاصاً [503] . بشرط أن يكون هذا الاستعمال الذى تصلح له البضائع يماثل ما تستعمل من أجله بضاعة من نفس النوع. وإذا كان حكم محكمة استئناف فرانكفورت الألمانية قد ألزم المشترى بقبول البضاعة غير المطابقة إذا كان يمكن
استعمالها بأى صورة من الصور [504] ، فإن المقصود بذلك هو الاستعمال المعتاد لبضاعة من نفس نوعها.

ولا تكون المخالفة جوهرية إذا كان اختلاف نوعية البضاعة عن المتفق عليه فى العقد مما يمكن التسامح فيه، لكن ينبغى ألا يصل هذا الاختلاف إلى درجة لا يتصور عقلاً توقعها فى البضاعة المبيعة بالنظر إلى السعر المحدد وشروط العقد [505] .

وتعد المخالفة جوهرية إذا كانت البضاعة لا تطابق العينة المتفق عليها مطابقة تامة [506] ، أو تختلف عن النموذج الذى تم التعاقد على أساسه اختلافاً كبيراً. أما إذا أمكن علاج هذا الاختلاف أو عدم المطابقة بتخفيض الثمن أو التعويض فلا تعد المخالفة جوهرية.

وإذا كان مصدر البضاعة محل اعتبار فى العقد، بأن اتفق المتعاقدان على أن تكون البضاعة من مصدر معين، فإن تسليم بضاعة من مصدر مختلف يعد مخالفة جوهرية. أما إذا تعذر الحصول على البضاعة من هذا المصدر، فيتعين على البائع أن يسلم بضاعة مشابهة بقدر الإمكان [507] .

125- الإخلال بالالتزام بتغليف البضاعة وتعبئتها: وإذا أخل البائع بالتزامه بتغليف البضاعة وتعبئتها، فإن الأمر يتوقف على ما إذا كان التغليف مطلوباً لإعادة الشحن مرة أخرى أو لإعادة البيع [508] . فإذا كان القصد من التغليف والتعبئة هو مجرد المحافظة على البضاعة وحمايتها أثناء النقل، فإن وصول البضاعة سليمة رغم إهمال تغليفها وتعبئتها يعنى أن المشترى لم
يلحقه من جراء ذلك أى ضرر، فلا تكون المخالفة جوهرية [509] .

أما إذا كان القصد من هذا التغليف هو تسهيل تصريف البضاعة وتداولها، بأن كان ذلك ضرورياً لإعادة البيع أو كانت دولة المشترى تتطلبه لإمكان طرح البضاعة فى الأسواق، فإن الإخلال بالالتزام فى هذه الحالة يشكل
مخالفة جوهرية.

126- وجود حق أو إدعاء للغير على البضاعة: وإذا كانت البضاعة محملة بحق أو إدعاء للغير، سواء كان حقاً عينياً أو إدعاء حق عينى عليها أو كان مبنياً على الملكية الصناعية أو أى ملكية فكرية أخرى، فإن الإخلال هنا لا يكون جوهرياً إلا إذا أدى وجود هذا الحق أو الإدعاء إلى ترجيح استحقاق البضاعة للغير، أو الانتقاص من قيمتها بصورة كبيرة بحيث يحرم المشترى من منفعتها بالنسبة له، أو أدت إلى دخوله طرفاً فى منازعات قضائية ألحقت به أضراراً كبيرة تفوق المنفعة التى عادت عليه من العقد، كأن ينفق عليها مصاريف باهظة أو يلتزم بالاحتفاظ بالبضاعة وعدم بيعها مرة أخرى حتى يفصل فى هذه المنازعات فتقل قيمتها خلال ذلك.


المطلب الثانى

التزامات المشترى

127- حددت اتفاقية فيينا الالتزامات التى تقع على عاتق المشترى في عقد البيع بأنها التزامه بدفع ثمن البضائع والتزامه بأن يستلمها [510] . وهذان الالتزامان هما الالتزامان الرئيسيان اللذان يتحمل بهما المشترى في عقد البيع [511] .

وقد تعرضت الاتفاقية لالتزامات أخرى تابعة تقع على عاتق المشترى، منها التزامه بحفظ البضائع إذا تسلمها أو وضعت تحت تصرفه وأراد ممارسة أى حق له فى رفضها [512] . كما أشارت إلى التزام قد يتفق عليه فى العقد وهو التزام المشترى بتعيين شكل البضائع أو مقاييسها أو الصفات الأخرى المميزة لها [513] .

128- والمشترى الذى قصدته الاتفاقية والذى يتحمل بهذه الالتزامات هو التاجر المحترف الذى يشترى البضاعة لأغراض تجارته. ذلك أن الاتفاقية رغم أنها لم تشترط أن يكون البيع الذى تنظمه تجارياً، ونصت صراحة على أنه لا يؤخذ فى الاعتبار الصفة المدنية أو التجارية للأطراف أو للعقد فى تحديد نطاق تطبيق الاتفاقية [514] ، فإنها مع ذلك قد استبعدت صراحة من نطاق تطبيقها بيع البضائع التى تشترى للاستعمال الشخصى أو العائلى أو المنزلى [515] . لذلك فإن القاضى أو المحكم سوف يجد نفسه دائماً فى مواجهة منازعات بين تجار فى معاملات تجارية [516] .

وعلى ذلك نتكلم أولاً عن التزام المشترى بدفع الثمن، ثم عن التزامه بتسلم البضاعة.

أولاً: الالتزام بدفع الثمن:

129- يعد الثمن عنصراً جوهرياً فى عقد البيع، والالتزام بدفعه هو الالتزام الأساسى الذى يتحمل به المشترى فى عقد البيع [517] . ويتضمن التزام المشترى بدفع الثمن اتخاذ ما يلزم واستيفاء الإجراءات المطلوبة بموجب العقد أو بموجب القوانين والأنظمة الواجبة التطبيق من أجل تسديد الثمن [518] .

والإجراءات التى يقوم بها المشترى لسداد الثمن قد تكون من طبيعة تجارية، كما قد تكون من طبيعة إدارية. ويقصد بالأولى إجراءات قبول الكمبيالة، أو فتح اعتماد مستندى، أو تقديم ضمان بنكى وما إلى ذلك. بينما يقصد بالثانية الحصول على موافقة الجهة الإدارية المختصة لتحويل النقد الأجنبى اللازم للوفاء بالثمن، أو أى موافقات أخرى تستلزمها
القوانين المحلية [519] .

130- تحديد الثمن: والأصل أن يتضمن العقد، صراحةً أو ضمناً، تحديداً لثمن البضائع أو بيانات يمكن بموجبها تحديده. لكنه إذا لم يتضمن ذلك اعتبر أن الطرفين قد أحالا ضمناً - فى حالة عدم وجود ما يخالف ذلك - إلى السعر الاعتيادى الموجود وقت انعقاد العقد بالنسبة لنفس البضائع المبيعة فى ظروف مماثلة فى نفس النوع من التجارة [520] .

وإذا حدد الثمن حسب وزن البضائع ففى حالة الشك يحسب الثمن على أساس الوزن الصافى [521] ، إلا إذا ظهر من العقد اتجاه قصد المتعاقدين إلى خلاف ذلك.

131- مكان دفع الثمن: ويلتزم المشترى بدفع الثمن فى المكان المتفق عليه فى العقد، إذ الغالب ألا يغفل تحديد هذا المكان فى العقد [522] . فإذا لم يتفق على الدفع فى مكان معين وجب على المشترى أن يدفعه فى مكان عمل البائع [523] . والعبرة بمكان عمل البائع وقت الوفاء بالثمن، فإذا غير مكان عمله بعد إبرام العقد وقبل حلول ميعاد الوفاء بالثمن وجب على المشترى دفع الثمن فى مكان عمله الجديد، وإذا أدى هذا التغيير إلى زيادة نفقات إرسال الثمن تحمل البائع هذه الزيادة [524] .

وإذا كان للبائع أكثر من مكان عمل واحد، فيقصد بمكان العمل المكان الذى له صلة وثيقة بالعقد وبتنفيذه، مع مراعاة الظروف التى يعلمها الطرفان أو التى كانا يتوقعانها قبل انعقاد العقد أو وقت انعقاده. وإذا لم يكن للبائع مكان عمل، وجب الأخذ بمكان إقامته المعتاد [525] .

والقصد من تحديد مكان عمل البائع لسداد الثمن أن يضمن البائع الحصول على الثمن دون أن يضطر إلى القيام بإجراءات تحويل نقد أجنبى من دولة المشترى إلى دولته، إذ الأصل أن يقوم المشترى بهذه الإجراءات ويتحمل مخاطر ذلك حتى وصول الثمن إلى البائع [526] .

وإذا كان دفع الثمن مطلوباً مقابل تسليم البضائع أو المستندات، وجب دفعه فى المكان الذى يتم فيه هذا التسليم [527] .

 132- ميعاد دفع الثمن: ويلتزم المشترى بدفع الثمن فى الميعاد المحدد فى العقد أو الذى يمكن تحديده بالرجوع إلى العقد، ولا تطبق أحكام الاتفاقية إلا إذا خلا العقد من بيان كيفية تعيين هذا الميعاد. وقد وضعت الاتفاقية قاعدة أساسية ربطت فيها بين ميعاد دفع الثمن وميعاد التسليم [528] . فإذا لم يكن المشترى ملزماً بدفع الثمن فى وقت محدد وجب عليه أن يدفعه عندما يضع البائع البضائع أو المستندات التى تمثلها تحت تصرفه وفقاً للعقد وهذه الاتفاقية [529] .

ويجوز للبائع أن يعتبر الدفع شرطاً لتسليم البضائع أو المستندات، فلا تسلم إلا بعد دفع الثمن. وإذا تضمن العقد نقل البضائع جاز للبائع إرسالها بشرط ألا تسلم هى أو المستندات التى تمثلها إلى المشترى إلا مقابل
دفع الثمن [530] .

ويجب على المشترى الوفاء بالثمن بمجرد حلول ميعاد الوفاء به دون حاجة إلى قيام البائع بتوجيه أى طلب أو استيفاء أى أجراء [531] ، فلا يلزم توجيه إعذار إلى المشترى أو إخطار بحلول ميعاد الوفاء أو غير ذلك من الإجراءات التى قد تتطلبها القوانين الوطنية [532] . ويترتب على ذلك أن فوائد التأخير لعدم دفع الثمن أو التأخر فى دفعه تسرى اعتباراً من التاريخ الذى يصبح فيه الثمن مستحق الأداء، دون حاجة إلى إعذار لسريانها [533] .

- الإخلال بالالتزام بدفع الثمن:

133-  1  عدم اتخاذ الإجراءات اللازمة لدفع الثمن: ويتحقق إخلال المشترى بدفع الثمن إذا لم يقم باتخاذ الإجراءات اللازمة لدفعه، بأن تخلف عن فتح الاعتماد المستندى أو عن تقديم خطاب الضمان البنكى. وأى إخلال
من هذا القبيل يعد على درجة من الأهمية بحيث يجيز للبائع إعلان فسخ العقد، أى أن المخالفة تكون فى هذه الحالة جوهرية [534] . ذلك أن هذه الإجراءات تعد ضمانات للوفاء بالثمن، فيحتاج البائع إليها حتى يقوم من جانبه بتدبير الحصول على البضاعة المطلوبة، لأنه إذا تأخر فى طلبها قد لا يحصل عليها بالشروط المطلوبة [535] .

وعلى ذلك فإنه إذا اشترط فى عقد البيع أن يكون الدفع عن طريق فتح اعتماد مستندى، وأن يتم فتح الاعتماد قبل الشحن، فإن البائع يحق له وقف إرسال البضائع إذا لم يخطره البنك بفتح الاعتماد، وإذا لم يتم ذلك خلال
الأجل المتفق عليه جاز له فسخ العقد [536] .

ويظل المشترى مسئولاً عن عدم قيام البنك بالسداد وفقاً لشروط الاعتماد المستندى، ولا يعفى من هذا الالتزام حتى ولو كان عدم السداد بسبب قوة قاهرة كإشهار إفلاس البنك [537] . ذلك أنه إذا توافرت شروط القوة القاهرة
- أو العائق كما أطلقت عليه الاتفاقية - بالنسبة للمشترى فى مواجهة البائع وبالنسبة للبنك فى مواجهة المشترى، فإن كل ما يترتب على ذلك هو إعفاء المشترى من التعويض فقط، لكنه لا يعفى من تنفيذ الالتزام نفسه.

134-  2  دفع الثمن فى غير المكان المتفق عليه: وإذا قام المشترى بدفع الثمن فى غير المكان المتفق عليه فى العقد أو الذى حددته أحكام الاتفاقية، فإن الغالب ألا يشكل هذا الإخلال مخالفة جوهرية تجيز فسخ العقد،
إذ يمكن معالجته بإعادة إرسال الثمن إلى المكان المتفق عليه.

والغالب أن يتم دفع الثمن فى عقود البيع الدولية عن طريق البنوك، فلا تثير مشكلة بخصوص مكان الدفع. إذ يتم الدفع إما عن طريق بنك وسيط فى دولة المشترى، أو البنك المحدد فى خطاب الاعتماد، فيقوم البنك بالدفع مقابل تقديم المستندات، أو يقبل الكمبيالة المسحوبة عليه فتكون المستندات مقابل القبول، أو يخصم الكمبيالة المسحوبة على المشترى [538] .

135-  3  الدفع المقدم للثمن: وإذا أراد المشترى الدفع مقدماً قبل حلول ميعاد استحقاق الثمن وذلك لأى سبب من الأسباب، فإن هذا العرض لا يعد إخلالاً منه بالعقد إذ يستطيع البائع أن يرفض هذا السداد. لكن يتعين
عليه فى هذه الحالة، وعملاً بمبدأ حسن النية، أن يبادر بإعلان رفضه السداد المقدم وإلا اعتبر قابلاً له [539] . وإن كان الغالب ألا يرفض البائع سداداً مقدماً لثمن البضاعة إذ قد يتعذر الحصول عليه بعد ذلك إذا رفضه.

136-  4  التأخر فى دفع الثمن: وإذا تأخر المشترى فى دفع الثمن، فإن هذا التأخير لا يعد إخلالاً منه بالعقد إذا كان بسبب عدم قيام البائع بتسليم البضائع أو المستندات. إذ يحق للمشترى أن يمتنع عن دفع الثمن إذا اشترط أن الدفع مقابل تسليم البضائع أو المستندات حتى يضعها تحت تصرفه، وذلك قياساً على ما نصت عليه الاتفاقية من إعطاء البائع الحق فى ذلك [540] .

بل يحق للمشترى أن يمتنع عن دفع الثمن حتى تتاح له الفرصة لفحص البضائع، ما لم يكن ذلك متعارضاً مع كيفية التسليم أو الدفع المتفق عليها بين الطرفين [541] . فيجب على البائع ألا يضع ما يعوق قيام المشترى بالفحص، إذ
لا يلتزم المشترى بالدفع إذا كان لديه الحق فى الفحص ولم يمكن من ذلك. ولا يحق للمشترى رفض القيام بالفحص إذا كان ممكناً دون دفع الثمن. لكن الفحص هنا ليس هو الفحص المقصود الذى يتم بناءً عليه توجيه الإخطار بالعيب فى المطابقة والذى يعد واجباً على المشترى حتى يستطيع التمسك بالعيب فى المطابقة [542] . إذ يحق للمشترى حتى ولو دفع الثمن أن يقوم
بفحص البضاعة بعناية عندما تتاح له الفرصة لذلك، وأن يتمسك بالعيب فى المطابقة الذى يكتشفه عن طريق هذا الفحص [543] .

لكن المشترى لا يحق له الامتناع عن الدفع فى حالة عدم تمكينه من الفحص إذا تعارض ذلك مع كيفية التسليم أو الدفع المتفق عليها بين الطرفين. ويحدث ذلك إذا اتفق فى العقد على تحديد ميعاد لدفع الثمن سابق على ميعاد التسليم، أو اشترط أن الدفع مقابل المستندات وتم تسليم المستندات مطابقة للعقد بينما كانت البضاعة مازالت فى الطريق [544] .

فالأصل فى البيع سيف c.i.f أن دفع الثمن يتم مقابل تسليم المستندات، والغالب أن يتضمن عقد البيع فوب f.o.b هذا الشرط، وفى هذه الحالة لا يكون الثمن مستحقاً إلا لحظة تقديم المستندات للمشترى. ولا يجوز للمشترى عندئذ
أن يعلق الدفع على وصول البضاعة أو فحصها، أو أن يرفض الدفع عند تقديم المستندات إليه بحجة وجود عجز أو تلف فى البضاعة، وإنما عليه أن يدفع الثمن عند تقديم المستندات إليه إذا كانت مطابقة، ثم يطلب ندب أحد الخبراء لفحص البضاعة وتقرير حالتها، وإن ثبت وجود عيب بها يحق له - بعد إخطار البائع بالعيب - فسخ العقد أو إنقاص الثمن بحسب الأحوال [545] .

137- وإذا تأخر المشترى عن دفع الثمن دون مبرر، فالغالب ألا يعد هذا التأخير مخالفة جوهرية للعقد، مادام لم يستمر طويلاً وقام المشترى بالسداد عقب ذلك دون أن يلحق البائع ضرر من جراء ذلك. إذ أن الزمن فى تنفيذ التزامات المشترى على وجه العموم لا يعد من جوهر العقد، فلا يعد عدم التنفيذ فى الميعاد المحدد فى الغالب مخالفة جوهرية [546] . وقد أيدت ذلك أحكام التحكيم التى اعتبرت أن مجرد تأخير المشترى فى دفع الثمن لا يعتبر فى حد ذاته مخالفة جوهرية تجيز للبائع فسخ العقد [547] .

والتأخير المعقول الذى يسمح به للمشترى يختلف حسب طبيعة البضاعة المبيعة والأعراف السائدة بشأنها. فلا يسمح بالتأخير فى دفع ثمن البضاعة سريعة التلف إلا لمدة قصيرة حتى يتمكن البائع من اتخاذ قراره سريعاً إما بتسليمها للمشترى أو إعادة بيعها. ففى الشروط العامة للفواكه والخضراوات الطازجة [548] ، لا تتعدى هذه المدة أربع وعشرين ساعة يحق للبائع بعدها - بشرط إخطار المشترى - إيقاف تسليم الدفعات التالية أو فسخ العقد. وجعلت الشروط العامة للبطاطس التأخير المسموح به ثلاثة أيام [549] . أما إذا كانت البضاعة المبيعة آلات أو مهمات أخرى مشابهة فإن مدة التأخير المسموح بها قد تمتد إلى عدة شهور [550] .


لكن التأخير فى دفع الثمن إذا استمر طويلاً، فتجاوز بذلك مدد السماح سالفة الذكر، فإن المخالفة فى هذه الحالة يمكن أن تعد جوهرية تجيز للبائع فسخ العقد [551] . ويعد التأخير كذلك مخالفة جوهرية إذا تكررت مطالبة المشترى بالسداد أو إذا منح مهلة إضافية لذلك ولم يسدد خلالها [552] .

كذلك يعد التأخير فى دفع الثمن مخالفة جوهرية فى حالة الانخفاض السريع فى أسعار العملة [553] . فكلما تأخر المشترى فى السداد كلما قلت القيمة الحقيقة للثمن الذى سيحصل عليه البائع مما قد يلحق به أضراراً بالغة.

ثانياً: الالتزام باستلام البضاعة:

138- يعد التزام المشترى باستلام البضاعة من الالتزامات الأساسية التى تقع على عاتقه بعد التزامه بدفع الثمن. ويكمل هذا الالتزام عملية التسليم من جانب البائع، إذ لا جدوى من قيام البائع بوضع البضاعة تحت تصرف المشترى إذا لم يقابل ذلك قيام المشترى باستلامها وإدخالها فى حيازته [554] .

ويتضمن التزام المشترى بالاستلام قيامه بجميع الأعمال التى يمكن توقعها منه بصورة معقولة لتمكين البائع من القيام بالتسليم، واستلامه البضاعة [555] . أى أن هذا الالتزام يتحلل إلى عنصرين: الأول مساعدة البائع وتمكينه من القيام بتسليم البضاعة بالقيام بكل عمل يمكن عقلاً توقع قيامه به لهذا الغرض [556] . والثانى قيام المشترى بالأعمال المادية اللازمة لسحب البضاعة وإدخالها فى حيازته [557] .

139-  1  تمكين البائع من التسليم: فيجب على المشترى القيام بكل عمل يمكن عقلاً توقع القيام به لتمكين البائع من تسليم البضاعة. فإذا كان العقد يتطلب حضور المشترى لوزن البضاعة أو معاينتها قبل الشحن، التزم بالحضور بنفسه أو إرسال مندوب عنه للقيام بذلك [558] ، وإذا كان المشترى ملتزماً بنقل البضائع، كما هو الحال فى البيع فوب f.o.b.، فيجب عليه أن
يبرم العقود اللازمة لذلك حتى يتمكن البائع من تسليم البضاعة إلى أول ناقل لتوصيلها إليه، كما يجب عليه إبلاغ البائع باسم هذا الناقل ومكان وتاريخ الشحن [559] .

وإذا تحدد مكان التسليم فى دولة المشترى، فيجب عليه أن يقدم للبائع كل عون للحصول على التراخيص اللازمة لإدخال البضاعة البلاد وإتمام الإجراءات الجمركية. كما يجب عليه تسليمه كافة المستندات الإدارية اللازمة لإدخال البضاعة إذا كان البائع هو الذى يتحمل عبء إنهاء هذه الإجراءات [560] .

وإذا كانت عملية التسليم تتطلب من المشترى إعداد عربات أو آلات أو عمال لنقل البضاعة بعد تفريغها من السفينة، وجب عليه توفير ذلك للبائع [561] .

لكن المشترى لا يلتزم إلا بالقيام بالأعمال التى يمكن عقلاً توقع قيامه بها لتمكين البائع من تسليم البضاعة، أما الأعمال الاستثنائية غير المعتادة واللازمة لذلك فلا يلتزم بالقيام بها إلا إذا تضمن العقد إلزامه بذلك [562] . وتختلف اتفاقية فيينا فى ذلك عن اتفاقية لاهاى والتى كانت تتضمن حكماً يلزم المشترى بالقيام بكل عمل ضرورى لتمكين البائع من تسليم البضاعة، فلم تشترط سوى ضرورة هذا العمل ولزومه لقيام البائع بالتسليم، مما مؤداه احتمال تكليف المشترى بما
لا طاقة له به وما لا يتوقع منه القيام به [563] .

140-  2  سحب البضاعة: ويلتزم المشترى بسحب البضاعة retirer les marchandises، أى نقلها من مخازن البائع أو من الأمكنة التى وضعت فيها تحت تصرفه إلى مخازنه [564] . ويجب عليه القيام بذلك خلال فترة معقولة من تاريخ إخطاره بوضع البضاعة تحت تصرفه [565] .

ويتحمل المشترى جميع نفقات سحب البضاعة، كما يلتزم بالحصول على التراخيص الإدارية اللازمة لذلك [566] .

ويتحدد مكان الاستلام بالمكان الذى يلتزم البائع بتسليم البضاعة فيه، ففى البيع Ex Works يلتزم البائع بتسليم البضاعة للمشترى فى منشأته، فيلتزم المشترى بسحب البضاعة من هذه المنشأة إلى مخازنه هو. وفى البيع Ex quay يلتزم البائع بتسليم البضاعة للمشترى على رصيف الميناء، فيلتزم المشترى بسحبها من هذا المكان إلى مخازنه.

ويعد قيام المشترى بسحب البضاعة أمراً لازماً لإتمام عملية التسليم، وقد يتوقف عليه آثار قانونية أو مالية، إذ تترتب على عدم قيام المشترى به أحياناً أضرار كبيرة للبائع، كتأخير تفريغ السفينة مما يدخل البائع فى نزاع مع مالك السفينة بشأن غرامات التأخير، أو ترك البضاعة على رصيف الميناء مما يعرضها للتلف [567] .

141- الإخلال بالالتزام باستلام البضاعة: وإذا لم يقم المشترى بتنفيذ التزامه باستلام البضاعة، سواء بعدم قيامه بالأعمال اللازمة لتمكين البائع من التسليم أو بعدم قيامه بسحب البضاعة، فإن ذلك لا يعد فى جميع الأحوال إخلالاً منه بالعقد.

فقد يرجع عدم تنفيذ المشترى لالتزامه باستلام البضاعة إلى ارتكاب البائع مخالفة جوهرية للعقد، كأن يكتشف المشترى قبل استلامه البضاعة عدم مطابقتها للعقد أو عدم مطابقة المستندات المقدمة، مما يرتب رفضه استلام البضاعة وإعلانه فسخ العقد. ذلك أن إعلان فسخ العقد يؤدى إلى أن يصبح المشترى فى حل من الالتزامات التى يرتبها عليه العقد، ومنها التزامه باستلام البضاعة، فلا يكون هناك محل لتنفيذه [568] .

وقد يرجع عدم تنفيذ المشترى لالتزامه باستلام البضاعة إلى استخدامه حقه فى رفض البضاعة. ذلك أنه يحق للمشترى رفض استلام البضاعة إذا سلمها البائع قبل التاريخ المحدد لتسليمها [569] ، كما يحق للمشترى إذا سلم البائع كمية من البضائع تزيد عن الكمية المنصوص عليها فى العقد أن يرفض استلام هذه الكمية الزائدة [570] ، بل يستطيع رفض استلام البضاعة كلها إذا
كانت الزيادة تشكل مخالفة جوهرية للعقد وتعذر فصلها عن الكمية الأصلية المتفق عليها لوجود سند شحن واحد للكمية كلها أو بسبب كيفية تعبئتها وتجهيزها [571] . كما قد يحق للمشترى رفض استلام البضاعة إذا كان ذلك تطبيقاً لما اتفق عليه فى العقد أو للأعراف الدولية السائدة في هذا الخصوص [572] .

142- وإذا لم يقم المشترى بالأعمال اللازمة لتمكين البائع من تسليم البضاعة، كأن لم يبرم عقد النقل أو لم يخطر البائع بوقت الشحن وتاريخه، فإن ذلك يعد إخلالاً منه بالتزامه باستلامها. فإذا أدى عدم قيامه بهذه الأعمال إلى تعذر قيام البائع بتسليم البضاعة فإن المخالفة تكون فى هذه الحالة جوهرية. أما إذا لم يترتب على ذلك سوى زيادة الأعباء أو المصاريف على البائع، فلا تكون المخالفة جوهرية، ولا يحق للبائع سوى الحصول على التعويضات اللازمة [573] .

لكن المشترى لا يلتزم بالقيام بأعمال لا يتصور قيامه بها عقلاً لتمكين البائع من التسليم كما سبق أن ذكرنا. فلا يعد إخلالاً منه بالعقد عدم قيامه بأعمال غير عادية تكلفه نفقات كبيرة لم يتفق عليها، حتى ولو تعهد البائع بسداد هذه النفقات، ما دام لم يتفق فى العقد على التزامه بالقيام بها [574] .

ولا يلتزم المشترى بالقيام بأعمال تؤدى إلى تقييد حقوقه، فلا يجوز على سبيل المثال إلزامه بقبول التعهد بعدم إعادة تصدير البضاعة إلى دولة معينة إذا كان ذلك لازماً لمنح رخصة تصدير البضاعة من سلطات دولة البائع، والذى قد تقصد به إعطاء الفاعلية لقرار الحظر الذى فرضته على هذه الدولة. فهذا الإجراء المطلوب من المشترى سوف يؤدى إلى تقييد سلطاته على البضاعة المبيعة، فكان واجباً أن يتم الاتفاق عليه بين الطرفين وقت إبرام العقد، ولا يجوز فرضه عليه بعد ذلك [575] .

 143- وإذا لم يقم المشترى بسحب البضاعة من المكان الذى وضعت فيه تحت تصرفه فإنه يكون قد أخل بالتزامه باستلام  البضاعة. وقد يعد هذا الإخلال مخالفة جوهرية إذا ترتب عليه تلف البضاعة بسبب عدم وجود أماكن لتخزينها [576] . كما قد يعد كذلك إذا ترتب على تأخر المشترى فى استلام البضاعة وعدم حصوله على التراخيص اللازمة لذلك أن قامت السلطات الإدارية لدولته أو لدولة البائع بمصادرة البضاعة.

أما إذا أدى تأخر المشترى فى القيام بهذا الإجراء إلى تحمل البائع نفقات إضافية، فالغالب ألا تكون المخالفة جوهرية، إذ يستطيع الحصول من المشترى على التعويضات التى تغطى ما تحمله من خسارة.


المبحث الثالث

تقدير فكرة المخالفة الجوهرية

144- تعد فكرة المخالفة الجوهرية فكرة قانونية جديدة ابتكرتها اتفاقية فيينا، وقد جاء تعريفها الذى تبنته الاتفاقية كحل وسط يوفق بين العديد من الاقتراحات التى قدمت فى هذا الشأن [577] .

وهذه الفكرة، والتى جعلتها الاتفاقية شرطاً أساسياً لفسخ العقد، تتوافق مع ظروف التجارة الدولية والتى يعد الفسخ فيها جزاءً قاسياً، لا يتم اللجوء إليه إلا إذا فشلت كل المحاولات للمحافظة على العقد، لما يترتب عليه من أضرار شديد قد تلحق بأحد المتعاقدين.

ويتميز تعريف المخالفة الجوهرية الذى تبنته الاتفاقية بالسهولة فى الفهم والتطبيق، إلا أنه قد ذهب رأى إلى أنه لا يزال مشوباً بقدر من الغموض [578] ، مما قد يثير الكثير من الخلاف حول تفسيره. حتى أن اقتراحات قد قدمت أثناء مناقشة المشروع المقدم بحذف هذا التعريف تماماً، لكن لم يؤخذ بها. وقد يرجع هذا الغموض إلى أنه من المستحيل وضع تعريف للمخالفة الجوهرية يشمل جميع الحالات التى يمكن مواجهتها، وإنما تتحدد هذه الفكرة وتتضح عن طريق الممارسة العملية وحدها وما قد يثار بشأنها من قضايا [579] .

 145- المخالفة الجوهرية والتفرقة فى القانون الإنجليزى بين الشرط والضمان: وإذا كانت الاتفاقية قد استلهمت هذه الفكرة من التفرقة فى القانون الإنجليزى بين الشرط والضمان [580] ، فإنها مع ذلك قد سارت على نهج مخالف للقانون الإنجليزى، إذ لم تدخل فى اعتبارها طبيعة الالتزام الذى تمت مخالفته، فيستوى لديها مخالفة أى التزام من الالتزامات التى تقع على عاتق طرفى عقد البيع [581] . وأقامت التفرقة بين المخالفة الجوهرية وغير الجوهرية على جسامة الضرر المترتب على المخالفة، فإذا كان الضرر جوهرياً حرم المتعاقد من منفعة العقد كانت المخالفة جوهرية، وإلا كانت غير جوهرية.

وعلى ذلك فإن الاتفاقية تعول على جسامة النتائج المترتبة على عدم التنفيذ [582] . أما القانون الإنجليزى فيرجع فيه إلى بنود العقد، فإذا كان البند يوصف بأنه شرط منذ البداية، فإن مخالفته تجيز فسخ العقد دون نظر إلى النتائج التى ترتبت على هذه المخالفة، وحتى لو كان الضرر بسيطاً أو لم يترتب عليها ضرر على الإطلاق [583] .

146- اصطلاح "المخالفة الجوهرية" فى اتفاقية فيينا وفى القانون الإنجليزى: وقد انتقد البعض استخدام اصطلاح "المخالفة الجوهرية" والذى يماثل الاصطلاح الذى كان مستخدماً فى القانون الإنجليزى من قبل، لأن استخدام مصطلحات قانونية سبق استخدامها فى التشريعات الوطنية قد يؤدى إلى التأثر بتفسيرها فى هذه التشريعات، مما يفقد الاصطلاح المعنى الذى قصدته الاتفاقية [584] .

لكن يرد على ذلك بأنه يصعب ابتكار اصطلاح لم يرد له ذكر فى التشريعات الوطنية، وإذا كانت الاتفاقية قد استخدمت اصطلاحاً معروفاً من قبل، فإنها وضعت له تعريفاً محدداً يجب الرجوع إليه لتحديد المقصود من هذا الاصطلاح. كما وضعت قاعدة عامة فى التفسير مؤداها ضرورة أن يراعى فى تفسيرها صفتها الدولية وضرورة تحقيق التوحيد فى تطبيقها [585] ، وأن يرجع فيما لم تحسمه نصوص الاتفاقية أولاً إلى المبادئ العامة التى أخذت بها [586] . مما يعنى عدم جواز الرجوع فى تفسير المصطلحات التى أوردتها الاتفاقية إلى التشريعات الوطنية التى استخدمت هذه المصطلحات.

أضف إلى ذلك أن تعريف المخالفة الجوهرية فى اتفاقية فيينا يختلف اختلافاً كبيراً عن مفهوم المخالفة الجوهرية فى القانون الإنجليزى [587] . إذ أن اصطلاح المخالفة الجوهرية فى القانون الإنجليزى قد استخدم لمواجهة شروط الإعفاء من المسئولية غير العادلة وغير المقبولة، فلا يجوز الاتفاق على الإعفاء من المسئولية فى حالة ارتكاب مثل هذه المخالفة [588] . أما الاتفاقية فلم تستخدم اصطلاح المخالفة الجوهرية لهذا الغرض. كما أن اشتراط التوقع فى تعريف المخالفة الجوهرية فى الاتفاقية أظهر الخلاف مع القانون الإنجليزى والذى لا يوجد فيه ما يسمح للمدين بالاحتجاج بأن النتائج التى حدثت من المخالفة كانت أكثر جسامة مما كان يتوقع [589] .


أما استخدام اصطلاح المخالفة الجوهرية فى القانون الإنجليزى فى حالة الإخلال الجسيم بشرط من الشروط المتوسطة أو غير المصنفة، فيختلف كذلك عن الاتفاقية، إذ يعتمد أساساً على تحديد طبيعة الالتزام الذى تمت مخالفته. فيجب أن تنصب المخالفة على بند فى العقد، ليس شرطاً أو ضماناً، وإنما يوصف بأنه شرط متوسط أو غير مصنف. أما الاتفاقية فكما ذكرنا لا تعتد بطبيعة الالتزام الذى تمت مخالفته.

147- تعريف المخالفة الجوهرية فى اتفاقيتى فيينا ولاهاى: وقد ذهب رأى إلى القول بأن تعريف المخالفة الجوهرية فى اتفاقية فيينا قد شابه الغموض بسبب محاولة واضعيه عدم نقل تعريف المخالفة الجوهرية فى اتفاقية لاهاى حرفياً [590] . فقد أخذت اتفاقية لاهاى فى تعريفها للمخالفة الجوهرية بمعيارين: الأول هو الضرر الذى يصل إلى درجة يفقد معها الطرف المضرور كل منفعة له فى العقد، والثانية هو العلم بالمخالفة وآثارها وقت التعاقد. وأخذت اتفاقية فيينا بذات المعيارين ولكن بشكل مختلف [591] .

لكن يرد على ذلك بأن تعريف المخالفة الجوهرية فى اتفاقية فيينا جاء مختلفاً عن تعريفها فى اتفاقية لاهاى. إذ ارتكز تعريف اتفاقية فيينا على معايير موضوعية واضحة لتقدير المخالفة الجوهرية، عكس تعريف اتفاقية لاهاى والذى تأثر بالمعايير الشخصية، وأدى ذلك إلى انتقاده بشدة. فالضرر الجوهرى والتوقع فى اتفاقية فيينا يتم تقديرهما بالرجوع إلى ما يتوقعه شخص سوى الإدراك من صفة المتعاقد إذ وجد فى نفس ظروفه.

وجاء تحديد اتفاقية فيينا لمعيار الضرر الجوهرى شديد الوضوح [592] ، عكس اتفاقية لاهاى والتى شاب تحديدها لهذا المعيار غموض شديد، إذ لم تشر إليه صراحة وإنما أمكن استنتاجه مما أشارت إليه بخصوص علم الطرف المخالف بالمخالفة وآثارها [593] .

ولم تحدد اتفاقية فيينا وقت تقدير التوقع، تاركة ذلك للاجتهاد فى كل قضية على حده. أما اتفاقية لاهاى فقد حددت هذا الوقت بأنه وقت التعاقد، وكان هذا التحديد منتقداً واعتبر أنه موطن الضعف فى هذا التعريف، إذ يترتب عليه
عدم النظر إلى اختلاف ظروف السوق وقت حدوث المخالفة عن وقت إبرام العقد مما قد يؤثر بالفعل فى تقدير المخالفة، أو يجعل إعمال القاضى أو المحكم لهذا المعيار أمراً صعباً [594] .

148- اشتراط توقع المخالفة الجوهرية: وانتقد البعض تعر يف المخالفة الجوهرية فى اتفاقية فيينا من ناحية اشتراط توقع الطرف المخالف للمخالفة، تأسيساً على أن هذا الشرط قد يشجع الطرف المخالف على إدعاء الجهل بالمخالفة وبالتالى يغل يد الطرف المضرور عن المطالبة بالفسخ [595] .

لكن يرد على ذلك بأن الاتفاقية جعلت معيار تقدير التوقع موضوعياً كما سبق القول، فلا ينظر إلى ما يتوقعه الطرف المخالف نفسه، وإنما إلى ما يمكن أن يتوقعه شخص سوى الإدراك من صفة الطرف المخالف إذا وجد فى نفس ظروفه. كما أن عبء إثبات التوقع يقع على عاتق الطرف المخالف، إذ أنه هو المكلف بإثبات أنه لم يتوقع مثل هذا الضرر ولا يوجد شخص سوى الإدراك من نفس صفته وفى نفس ظروفه يمكن أن يتوقع مثل هذا الضرر [596] .

149- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن فكرة المخالفة الجوهرية، التى أخذت بها اتفاقية فيينا وجعلتها شرطاً أساسياً للفسخ، تحقق متطلبات التجارة الدولية. وقد جاء تعريفها فى الاتفاقية جديداً ومبتكراً، وليس ترديداً لأى من الأفكار التى أخذت بها التشريعات الوطنية. بل إن هذا التعريف تميز حتى عن القانون الذى استلهمت عنه الاتفاقية هذه الفكرة وهو القانون الإنجليزى.

أما اتفاقية لاهاى فرغم التشابه بين تعريفها للمخالفة الجوهرية وتعريف اتفاقية فيينا، فإن تعريف اتفاقية فيينا قد تميز عنها بوضوح عبارته فيما تعلق منها بالضرر الجوهرى والتوقع، وأيضاً باعتماده على المعايير الموضوعية فى جميع عناصره.

وحتى لو قلنا بتأثر تعريف المخالفة الجوهرية فى اتفاقية فيينا بتعريفها فى اتفاقية لاهاى، فإن تعريف اتفاقية فيينا يبقى له ذاتيته المستقلة، إذ لا يجوز تفسيره بالرجوع إلى هذه الاتفاقية أو أى من التفسيرات المأخوذ بها فى التشريعات الوطنية.

وإذا كان هذا التعريف قد شابه قدر من الغموض، فإنه لا سبيل لرفع هذا الغموض إلا عن طريق الممارسة العملية وتكرار تطبيقه فى الأحكام القضائية وأحكام التحكيم، مما قد يكسبه قدراً أكبر من الوضوح، وسوف يؤدى ذلك إلى استقرار الرأى حول تفسيرات موحدة لأحكامه، بما يصل بنا إلى ما نشدته الاتفاقية من تحقيق التوحيد فى تطبيقها.


الفصل الثانى

المخالفة الجوهرية المكتسبة

150- تمهيد وتقسيم: حرصت اتفاقية فيينا على الحفاظ على عقد البيع وتقييد الحق فى فسخه، فاشترطت لإعطاء المتعاقد الحق فى إعلان فسخ العقد ارتكاب المتعاقد الآخر مخالفة جوهرية، فإذا لم ترتكب هذه المخالفة ظل العقد قائماً منتجاً آثاره بين طرفيه.

ولكن نظراً لما قد يثار من منازعات بشأن ما إذ كانت المخالفة المرتكبة جوهرية أم لا، وحتى لا يستمر ترقب المتعاقدين طويلاً لحسم الخلاف حول هذه المسألة، أرادت الاتفاقية وضع حد لهذا الخلاف رغبة منها فى الحفاظ على العقد، وحتى لا يسارع أحد المتعاقدين إلى إعلان فسخ العقد دون التأكد من جوهرية المخالفة المرتكبة، فأجازت لكل متعاقد أن يمنح المتعاقد الآخر مهلة إضافية معقولة حتى يقوم فيها بتنفيذ التزاماته، وخلال هذه المهلة الإضافية لا يستطيع المتعاقد الذى منحها إعلان فسخ العقد أو استعمال أى حق من الحقوق التى رتبتها الاتفاقية فى حالة الإخلال بالعقد [597] .

فإذا انقضت المهلة دون تنفيذ المتعاقد لالتزاماته تحولت المخالفة المرتكبة إلى مخالفة جوهرية تجيز للمتعاقد الذى منحها إعلان فسخ العقد، حتى ولو لم تكن هذه المخالفة منذ بدايتها جوهرية [598] . وعلى ذلك نتكلم أولاً عن قواعد المهلة الإضافية، ثم نتكلم ثانياً عن الآثار التى تترتب عليها.


الفرع الأول

قواعد المهلة الإضافية

151- حظر منح مهلة قضائية للتنفيذ: حظرت اتفاقية فيينا على القاضى أو المحكم منح أحد المتعاقدين مهلة قضائية délai de grâce لتنفيذ التزاماته، عندما يتمسك المتعاقد الآخر بأحد الجزاءات المقررة فى حالة مخالفة
العقد [599] . وهذا الحظر قصد به مواجهة القوانين الوطنية التى تعطى القاضى هذا الحق، كما هو الحال فى القانون المدنى المصرى [600] . ذلك أن المهلة القضائية لا تتناسب مع ظروف التجارة الدولية، كما أن منحها من القاضى الوطنى للتاجر الذى ينتمى إلى بلده يثير مظنة المجاملة [601] .


لكن هذا الحظر موجه أساساً إلى القاضى أو المحكم وليس موجهاً إلى المتعاقدين [602] . وعلى ذلك يجوز للمتعاقدين الاتفاق بعقدهما صراحةً أو ضمناً على منح هذه المهلة، أخذاً بالمبدأ العام الذى وضعته الاتفاقية وهو إعطاء طرفى عقد البيع حرية الاتفاق على ما يخالف نصوصها [603] .

 152- جواز منح مهلة إضافية للتنفيذ من أحد المتعاقدين للآخر: وإذا لم يتفق المتعاقدان صراحةً أو ضمناً على منح هذه المهلة، فإن الاتفاقية أعطت لكل منهما الحق فى منح المتعاقد الآخر مهلة إضافية délai supplementaire لتنفيذ التزاماته [604] ، ورتبت على انقضائها دون تنفيذ جواز إعلان فسخ العقد. فيستطيع المتعاقد، سواء أكان هو البائع أم المشترى، أن يمنح المتعاقد الآخر مهلة إضافية لتنفيذ التزامه، فإذا انقضت هذه المهلة دون أن يتم التنفيذ على نحو موافق للعقد جاز إعلان الفسخ، حتى ولو كانت المخالفة منذ بدايتها غير جوهرية.

وكانت اتفاقية لاهاى قد تضمنت ذات الحكم، لكنها وزعته بين نصوص عديدة [605] . فأجازت منح مهلة إضافية للمتعاقد الذى يتخلف عن تنفيذ أى التزام من التزاماته، ولم تشترط فى هذه المدة سوى أن تكون معقولة أى غير مرهقة للمتعاقد فى الظروف القائمة، ورتبت على عدم التنفيذ خلالها أن تصبح المخالفة المرتكبة جوهرية تجيز للطرف المضرور فسخ العقد [606] .

وقد أخذت اتفاقية فيينا - ومن قبلها اتفاقية لاهاى - بهذا الحكم نقلاً عن النظام الألمانى والمعروف باسم Nachfrist، والذى بموجبه إذا تأخر المتعاقد عن تنفيذ التزاماته يجب على المتعاقد الآخر أن يمنحه مهلة معقولة للتنفيذ، ويخطره بأنه لن يقبل التنفيذ بعد انقضاء هذه المهلة. فإذا لم يتم التنفيذ خلالها جاز للمتعاقد الذى وجه هذا الإخطار أن يفسخ العقد [607] .

وقد تضمنت قواعد الـ Unidroit حكماً مماثلاً، إذ أجازت للدائن في حالة عدم التنفيذ أن يمنح المدين مهلة إضافية للتنفيذ بواسطة إخطار يوجه إليه. فإذا تلقى الدائن إخطاراً من المدين بأنه لن ينفذ خلال هذه المهلة، أو إذا انتهت المهلة دون تنفيذ فيجوز له أن يلجأ إلى أى وسيلة من الوسائل المقررة له لمواجهة الإخلال ومنها فسخ العقد [608] .

153- نظام المهلة الإضافية فى القوانين الوطنية: لم تخل القوانين الوطنية من أنظمة تعد مماثلة لنظام المهلة الإضافية، ففى قانون التجارة المصرى الجديد أجيز للمشترى - إذا لم يقم البائع بتسليم المبيع فى الميعاد المحدد فى العقد - أن يخطره بالتنفيذ خلال مدة مناسبة يحددها. فإذا لم يسلم البائع المبيع خلال تلك المدة، جاز للمشترى أن يحصل على شىء مماثل
للمبيع على حساب البائع وأن يطالبه بالفرق بين الثمن المتفق عليه وما دفعه بحسن نية للحصول على ذلك الشىء. وإذا كان للمبيع سعر معلوم فى السوق جاز للمشترى - وإن لم يشتر فعلاً شيئاً مماثلاً له - أن يطالب البائع بالفرق
بين الثمن المتفق عليه وسعر السوق فى اليوم المحدد للتسليم. وللمشترى بدلاً  من ذلك أن يخطر البائع بأن عدم التسليم خلال المدة المعينة فى الإخطار يترتب عليه اعتبار العقد مفسوخاً، وله فى هذه الحالة أن يطلب التعويض إن كان له مقتضى [609] .

وعلى ذلك فإن قيام المشترى بتحديد مدة مناسبة للبائع لكى ينفذ فيها التزامه بتسليم المبيع بعد تخلفه عن التسليم فى الميعاد المحدد بالعقد، وإخطاره البائع أن عدم التسليم خلال هذه المدة يترتب عليه اعتبار العقد مفسوخاً، مؤداه أن يصبح الفسخ فى هذه الحالة حتمياً لا يكون للمحكمة أية سلطة تقديرية فى شأنه [610] .

ويعد هذا الحكم تطبيقاً لنظام المهلة الإضافية الذى أخذت به اتفاقية فيينا، ولا يعد تطبيقاً لحكم القانون المدنى المصرى الذى يجيز الاتفاق على اعتبار العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم قضائى عند عدم الوفاء بالالتزامات الناشئة عنه [611] ، لأن الفسخ الحتمى هنا لم يتفق عليه المتعاقدان وإنما قرره المشترى وحده بالإخطار الذى وجهه إلى البائع
دون اتفاق مسبق بينهما عليه. وقد أيدت ذلك المذكرة الإيضاحية لمشروع قانون التجارة والتى أكدت أن هذا الحكم هو حكم جديد استحدثته وخرجت به على القواعد العامة فى القانون المدنى وعلى ما جرى عليه الفقه والقضاء فى ظل التقنين القائم [612] .

154- ويمكن أن يؤدى الإعذار la mise en demeure الذى يأخذ به القانون المصرى - وكذا القانون الفرنسى - نفس دور المهلة الإضافية [613] . ذلك أن الأصل فى هذين القانونين أن مجرد حلول أجل الالتزام لا يكفى لاعتبار المدين متأخر فى تنفيذه، إذ يجب إعذاره حتى لا يحمل سكوت الدائن محمل التسامح والرضاء الضمنى بتأخره فى هذا التنفيذ، فإذا أراد الدائن أن يستأدى حقه فى التنفيذ الذى حل أجله وجب عليه أن يعذر المدين بذلك حتى يضعه من تاريخ هذا الإعلان موضع المتأخر قانونا فى تنفيذ التزامه [614] .

لكن الإعذار يختلف عن المهلة الإضافية فى أنه لا يترتب عليه تقرير ميعاد جديد لتنفيذ المدين التزامه، وإنما هو حالة قانونية يعتبر فيها المدين ممتنعاً عن الوفاء بالتزامه أو مقصراً فى الوفاء به وتترتب عليها مسئوليته عن الأضرار التى تصيب الدائن من جراء هذا الامتناع أو التقصير [615] . فيصبح ملزماً  بتنفيذ التزامه فوراً كما يلتزم بالتعويض عن التأخر فى التنفيذ بعد ذلك [616] .

وفى القانون الإنجليزى - رغم عدم وجوب الإعذار - يجوز للدائن أن يخطر المدين أنه لن يقبل أى تأخير إضافى فى تنفيذه لالتزامه، فيصبح هذا الموعد الذى حدده الدائن عنصراً جوهرياً فى العقد، ويجوز له بالتالى فسخه فى حالة أى تأخير عن ذلك، وهو ما يقترب من نظام المهلة الإضافية فى اتفاقية فيينا [617] .

155- منح المهلة الإضافية ليس التزاماً على عاتق المتعاقدين: ولم تجعل اتفاقية فيينا منح المهلة الإضافية التزاماً على عاتق أى من طرفى عقد البيع، وإنما جعلته حقاً يجوز له استعماله إن رأى أنه يحقق مصلحته ويؤدى
إلى تنفيذ المتعاقد الآخر لالتزامه، كما يجوز له عدم اللجوء إليه إن رأى فيه إضراراً بمصالحه وأنه لا يحقق له أى فائدة لعجز المتعاقد عن التنفيذ أو عدم رغبته فيه [618] .

وتختلف اتفاقية فيينا فى ذلك عن نظام الـ Nachfrist فى القانون الألمانى، وعن نظام الإعذار فى القانونين الفرنسى والمصرى [619] . فقد جعل القانون الألمانى منح المهلة الإضافية التزاماً على عاتق الطرف المضرور حتى يستطيع المطالبة بالتعويضات أو فسخ العقد، ما لم يكن تنفيذ الالتزام قد أصبح غير مجد بالنسبة له [620] . كذلك يعد الإعذار واجباً أيضاً لاعتبار المدين متأخراً فى تنفيذ التزامه.

لكن اتفاقية فيينا بجعلها منح المهلة الإضافية جوازية للطرف المضرور تتفق مع قانون التجارة المصرى الجديد الذى جعل تحديد مدة مناسبة للبائع لكى ينفذ فيها التزامه بالتسليم أمراً جائزاً للمشترى [621] .

156- منح المهلة الإضافية للتخلف عن تنفيذ أى التزام: ويجوز منح المهلة الإضافية للمتعاقد الذى يتخلف عن تنفيذ أى التزام من الالتزامات الملقاة على عاتقه، ذلك أن النص جاء عاماً بإجازة منحها دون تخصيص بالتزام معين [622] . وإن كان البعض قد ذهب إلى قصرها على الالتزام بالتسليم وحده بالنسبة للبائع، والالتزام بدفع الثمن واستلام البضاعة بالنسبة للمشترى، تأسيساً على أن الفسخ فى حالة انتهاء المهلة الإضافية دون تنفيذ لا يكون إلا بالنسبة لهذه الالتزامات وحدها [623] .

لكن هذا الرأى ليس له سند من عبارة النص ولا من مصدره، إذ جاءت عبارة النص عامة دون تخصيص بالتزام معين إلا فيما يتعلق بالأثر  المترتب على انقضاء هذه المهلة، كما وأن النظام الألمانى Nachfrist  والذى أخذت عنه الاتفاقية نظام المهلة الإضافية لم يقصرها على التزام معين، وإنما أطلق جواز منحها بالنسبة لجميع الالتزامات وفى كل العقود وليس عقد البيع وحده [624] .

وعلى ذلك يجوز للبائع أن يمنح المشترى مهلة إضافية لتنفيذ التزامه بفحص البضاعة، لكنه لا يحق له إعلان فسخ العقد إذا تخلف المشترى عن تنفيذ هذا الالتزام خلال المهلة الممنوحة له إذا كانت تشكل فى حد ذاتها مخالفة جوهرية [625] .

157- منح المهلة الإضافية للمخالفة الجوهرية وقبل حدوث الإخلال: ويجوز منح المهلة الإضافية ولو كانت المخالفة المرتكبة جوهرية [626] ، ذلك أن الطرف المضرور قد لا يرغب فى هذه الحالة فى فسخ العقد ويرى الإبقاء عليه وإعطاء المخالف فرصة لتنفيذ التزامه، لأن الفسخ فى حالة ارتكاب مخالفة جوهرية ليس أمراً حتمياً. وتختلف اتفاقية فيينا فى ذلك عن اتفاقية لاهاى، والتى كان منح المهلة الإضافية فيها مقيداً بالحالات التى لا تكون فيها المخالفة المرتكبة جوهرية [627] .

وذهب رأى إلى أن المهلة الإضافية يجوز منحها قبل حدوث أى إخلال، كما إذا توقع المشترى تأخير البائع فى التسليم لوجود صعوبات يواجهها فى مصانعه، فيمنحه أجلاً أطول لتنفيذ التزامه بالتسليم. ولا يعد ذلك تعديلاً للعقد من جانب واحد، لأن البائع يستطيع رغم ذلك أن يقوم بالتسليم فى الميعاد المتفق عليه فى العقد [628] .

لكننا نرى أنه إذا كان من الجائز للمتعاقد أن يمنح المتعاقد الآخر أجلاً  لتنفيذ التزامه قبل صدور أى إخلال منه فى تنفيذ هذا الالتزام، فإن هذا الأجل الممنوح لا يأخذ حكم المهلة الإضافية ولا يترتب عليه أثرها، فلا يحق للمتعاقد الذى منحها فسخ العقد بعد انقضائها دون تنفيذ، إلا إذا كان عدم التنفيذ يشكل مخالفة جوهرية للعقد، أما إذا كانت المخالفة غير جوهرية فإنها لا تتحول بانقضاء هذه المدة إلى مخالفة جوهرية. ذلك أن منح هذا الأجل قبل حلول ميعاد التنفيذ قد يؤدى إلى أن يتمهل المتعاقد فى تنفيذ التزامه اعتماداً على اتساع الميعاد، ثم يحدث ما يعوق تنفيذه ويؤدى إلى تأخيره عن هذا الميعاد.

وعلى ذلك فإن المهلة الإضافية لا تمنح إلا لإخلال صدر عن المتعاقد فعلاً، فإذا انقضت دون تنفيذ أصبح منطقياً إعلان فسخ العقد، أما إذا منحتقبل حدوث إخلال فلا يترتب عليها أى أثر.

158- مدة المهلة الإضافية: وإذا منح المتعاقد مهلة إضافية للمتعاقد الآخر، فإن مدة هذه المهلة يجب أن تكون معقولة de durée raisonnable، أى أن تكون كافية للسماح له بتنفيذ التزامه. فإذا كانت المدة غير كافية لذلك
فإن المتعاقد يكون بذلك قد خلق لنفسه حقاً فى فسخ العقد دون مبرر لذلك [629] .

وقد استخدمت اتفاقية لاهاى ذات الاصطلاح فاشترطت أن تكون المهلة الإضافية ذات مدة معقولة الـ un délai supplementaire d'une durée raisonnable [630] .

كما أوردته قواعد الـ Unidroit [631] . ويقترب هذا التعبير مما استخدمه قانون التجارة المصرى لوصف المدة التى يمنحها المشترى للبائع لتنفيذ التزامه بتسليم المبيع، وهو أن تكون هذه المدة مناسبة [632] .

ولم تحدد اتفاقية فيينا كيفية قياس معقولية مدة المهلة الإضافية، لذلك فإن تقديرها لا يكون إلا بالرجوع إلى كل حالة على حده. لكن الاعتبار الأساسى الذى يمكن على أساسه تقدير معقولية هذه المدة هو مدى حاجة المتعاقد إلى التنفيذ دون أى تأخير إضافى بعد انتهاء المهلة [633] .

كما يجب أن يوضع فى الاعتبار طبيعة المخالفة والنتائج المترتبة عليها وإمكانيات المتعاقد فى التنفيذ، وطبيعة العائق الذى اعترض التنفيذ، فتأخر البائع فى تسليم ماكينة معقدة التركيب من إنتاج مصانعه يختلف عن تأخره فى تسليم بضاعة يتوافر مثيل لها بالأسواق المختلفة [634] .

وإذا كانت مدة المهلة الممنوحة غير معقولة، بأن كانت قصيرة لا تسمح للمتعاقد بتنفيذ التزامه، فإنه لا يجوز اللجوء إلى القاضى أو المحكم لإطالتها، لمخالفة ذلك للمبدأ الذى وضعته الاتفاقية من عدم جواز منح المتعاقد أى
مهلة قضائية. ولأن المهلة إذا تم منحها بإرادة أحد الطرفين فلا يجوز لأحد التدخل بالتعديل فيها، لأن المتعاقد الذى منحها هو صاحب القول الفصل فى تحديد مدتها [635] .

وتختلف اتفاقية فيينا فى ذلك عما أوردته قواعد الـ Unidroit، والتى قررت أن مدة المهلة الإضافية إذا لم تكن معقولة فيجب زيادتها حتى تكون مناسبة للتنفيذ المطلوب [636] . لكنها لم تحدد الطريقة التى يمكن على أساسها قياس معقولية المدة، ومن الذى يناط به زيادة هذه المدة إذا كانت غير معقولة، وإن كان الغالب أن يترك ذلك للمحكم أو القاضى [637] .

وإذا كانت مدة المهلة الإضافية فى اتفاقية فيينا لا يجوز زيادتها بالرجوع إلى القاضى أو المحكم، فإنه مع ذلك يمكن لأى منهما التدخل فى تقديرها إذا ثار النزاع أمامه بخصوص مدى أحقية المتعاقد الذى منحها فى فسخ العقد. فيستطيع القاضى أو المحكم عندئذ إذا وجد أن مدة المهلة الإضافية قصيرة لا تسمح بتنفيذ الالتزام، ولم تكن المخالفة جوهرية منذ بدايتها أن يقضى بعدم أحقية المتعاقد فى فسخ العقد ويلزمه بالتعويض إن اقتضى الأمر ذلك.

159- إخطار منح المهلة الإضافية: ويجب أن يوجه المتعاقد الذى يرغب فى منح مهلة إضافية إخطاراً إلى المتعاقد الآخر بهذه المهلة التى منحها له [638] . ولا يلزم فى هذا الإخطار شكل خاص، فيمكن أن يتم بأى وسيلة مناسبة، وقد يكون كتابةً أو شفهياً [639] . لكن لا يكفى للدلالة على منح مهلة إضافية مجرد صدور تصرف من المتعاقد يدل ضمناً على ذلك [640] ، كأن تنقضى المدة المتفق عليها لتنفيذ الالتزام بالتسليم مثلاً ولا يعلن المشترى فسخ العقد، ويستمر فى التعامل مع البائع والاتصال به دون إشارة إلى هذا الإخلال. ومع ذلك فقد قضى فى أحد أحكام التحكيم أن انتظار البائع عدة
شهور بعد تاريخ استحقاق الثمن يعد مهلة إضافية منحها للمشترى لتنفيذ التزامه بدفع الثمن فيحق له بعدها فسخ العقد [641] .

ويطبق على هذا الإخطار القاعدة التى وضعتها الاتفاقية للإخطارات على وجه العموم [642] . وهى أن أى تأخير أو خطأ فى إيصال الإخطار وكذلك عدم وصوله لا يحرم الطرف الذى أرسله من حقه فى التمسك به مادام قد تم إرساله بالوسيلة التى تتناسب مع الظروف [643] .

ويجب أن يتم تحديد مدة المهلة الإضافية فى الإخطار بدقة، إما بتحديد تاريخ معين تنتهى عنده هذه المهلة، أو بتحديد فترة زمنية - كشهر مثلاً - من تاريخ الإخطار يتعين التنفيذ خلالها [644] . أما استخدام تعبيرات غامضة مثل "ضرورة التسليم فوراً" أو "دون إبطاء" أو "فى أسرع وقت ممكن" فلا يمكن أن يعد كافياً لأن المتعاقد الآخر قد يظنها مجرد دعوة لتنفيذ التزاماته وفقاً
لأحكام الاتفاقية [645] . ولأن الإخطار على هذا النحو لا يتضمن تحديداً لأى مهلة إضافية. كذلك لا يعد كافياً الاقتصار على طلب مندوب لإصلاح العيب، أو طلب إرسال شيك مقبول الدفع بالثمن المطلوب، أو إيداعه بحساب البائع
بأحد البنوك [646] .

وترجع أهمية تحديد مدة المهلة الإضافية بدقة إلى أن عدم تحديدها على هذا النحو قد يؤدى إلى نشوب منازعات بين الطرفين بسبب اختلاف تقدير كل منهما للمدة اللازمة لإصلاح الخلل فى التنفيذ. فقد يتخلف البائع عن تسليم جزء من البضاعة ويمنحه المشترى مهلة إضافية لتسليم هذا الجزء، فيفهم المشترى أن مدة هذه المهلة هى اللازمة لإرسال الجزء المتبقى من البضاعة إليه، فى حين يفهم البائع أنها المدة التى تلزمه لشراء هذه البضاعة من تاجر آخر أو لتصنيعها فى مصانعه لأنها غير موجودة فى مخازنه [647] .

ولا يشترط أن يتضمن إخطار منح المهلة الإضافية تهديداً للطرف المخالف بأنه سوف يتم فسخ العقد إذا لم ينفذ التزامه [648] ، إذ يكفى التصريح بأنها مدة نهائية deadline ولن يقبل التنفيذ بعدها، فإما أن ينفذ أو يتخذ قبله الإجراءات القانونية [649] .

160- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن نظام المهلة الإضافية قد أخذته اتفاقية فيينا عن نظام الـ Nachfrist فى القانون الألمانى، بقصد إظهار رغبتها فى الإبقاء على العقد وعدم اللجوء إلى فسخه [650] . إذ أن إسراع المتعاقد إلى فسخ العقد لمجرد صدور مخالفة من المتعاقد الآخر قد لا يحقق فائدة لأى منهما، فى حين أن إعطاء الطرف المخالف فرصة لإصلاح ما شاب تنفيذه للعقد من عيوب أو لتنفيذ الالتزام الذى تخلف عنه قد يكون هو الأفضل لهما مادام قد توافر حسن النية بينهما [651] .

ويعبر منح المهلة الإضافية عن رغبة المتعاقد الذى منحها فى استمرار تنفيذ العقد بإعطائه المتعاقد الآخر فرصة لتنفيذه رغم ما صدر عنه من إخلال [652] . وعن طريق المهلة الإضافية يمكن تجنب الكثير من المنازعات التى قد تنشأ حول مدى جوهرية المخالفة المرتكبة. فإذا ثار شك حول جوهرية هذه المخالفة يمكن منح الطرف المخالف مهلة إضافية بحيث إذا انقضت دون تنفيذ أمكن أن نفترض بصورة قاطعة أن المخالفة قد أصبحت جوهرية تجيز فسخ العقد [653] .


الفرع الثانى

آثار المهلة الإضافية

161- إذا تخلف أحد المتعاقدين عن تنفيذ التزاماته، فإن المتعاقد الآخر يستطيع اللجوء إلى الوسائل التى وضعتها الاتفاقية لمواجهة ذلك، ومنها إعلان فسخ العقد، لكنه إذا رغب فى الحفاظ على العقد وإعطاء المتعاقد الآخر فرصة لتنفيذ التزاماته، فإنه يمنحه مهلة إضافية ليقوم بذلك وفقاً للقواعد السابق ذكرها.

فإذا اختار المتعاقد منح مهلة إضافية للمتعاقد الآخر ترتب على ذلك أثران هامان: أولهما التزام يقع على عاتقه خلال مدة سريان المهلة الإضافية بألا يستعمل أى حق من الحقوق التى قررتها له الاتفاقية فى حالة مخالفة العقد، وثانيهما حق يتقرر له بانتهاء المهلة الإضافية دون تنفيذ المتعاقد الآخر لالتزاماته وهو حقه فى إعلان فسخ العقد.

أولاً: عدم استعمال أى جزاء خلال المهلة الإضافية:

162- فالأثر الأول لمنح المهلة الإضافية هو أن يفقد المتعاقد الذى منحها حقه فى استعمال أى حق من الحقوق التى قررتها له الاتفاقية فى حالة مخالفة العقد طوال مدة سريان هذه المهلة [654] . فلا يجوز خلال هذه المدة طلب التنفيذ العينى أو تسليم بضاعة بديلة أو إصلاح العيب فى المطابقة، وعلى وجه الخصوص لا يجوز له إعلان فسخ العقد حتى ولو كانت المخالفة منذ بدايتها جوهرية.

ويعد هذا الحظر أمراً مقبولاً، إذ لا يتصور أن يمنح المتعاقد مهلة إضافية ثم يستعمل حقاً يتعارض مع ذلك، إنما يجب عليه الانتظار ليرى ما إذا كان المتعاقد الآخر سينفذ التزاماته المتفق عليها فى العقد خلال هذه المهلة أم لا [655] . كما أن هذا المتعاقد الآخر الذى تم منحه مهلة إضافية يحق له أن يطمئن إلى أن ما سينفقه من نفقات خلال هذه المهلة لتنفيذ التزاماته سوف
يعود عليه بالنفع [656] .

163- استبقاء الحق فى المطالبة بالتعويضات: لكن المتعاقد الذى منح المهلة الإضافية يحتفظ مع ذلك خلال هذه المهلة بحقه فى طلب تعويضات عن التأخر فى التنفيذ، فيستطيع أن يطالب بهذه التعويضات فى أى وقت خلال فترة سريان هذه المهلة [657] .

ويرجع ذلك إلى أن هذه التعويضات تكون عن الإخلال الذى صدر عن المتعاقد وأدى إلى منحه المهلة الإضافية، فلا تأثير له على تنفيذ الالتزامات خلال هذه المهلة، لأنه أمر سابق عليها. وإن كنا نرى أنه يحسن تأجيل المطالبة بالتعويضات حتى انتهاء المهلة الإضافية، لأن تصرف الطرف المخالف خلال هذه المهلة من ناحية مبادرته إلى تنفيذ التزامه أو تقاعسه عن ذلك قد يؤثر فى قدر التعويض الذى سيقضى به، وأيضاً للحفاظ على حسن العلاقات بين الطرفين إذ أن المطالبة بالتعويضات قد تؤدى إلى توتر العلاقات بينهما بما قد يعوق التنفيذ.

164- ويدخل فى نطاق التعويضات التى يستطيع المتعاقد المطالبة بها خلال المهلة الإضافية المبالغ التى أنفقها للمحافظة على البضاعة قبل منح المهلة الإضافية أو حتى بعد منحها، إذ أنه يلتزم باتخاذ الإجراءات المعقولة المناسبة للظروف لضمان حفظ البضاعة إذا كانت فى حيازته [658] . كما يحدث إذا تأخر المشترى عن استلام البضاعة أو لم يدفع الثمن عندما يكون دفع
الثمن وتسليم البضاعة شرطين متلازمين، وكانت البضاعة لا تزال في حيازة البائع أو تحت تصرفه، فيلتزم البائع فى هذه الحالة باتخاذ ما يلزم لضمان حفظ البضاعة [659] . والنفقات التى ينفقها فى ذلك تدخل فى نطاق
التعويضات التى يحق له المطالبة بها بموجب أحكام الاتفاقية باعتبارها خسارة لحقت به [660] .

كما قد يدخل فيما يستطيع المتعاقد المطالبة به خلال المهلة الإضافية الفوائد على أى مبالغ مستحقة [661]  رغم أنها لا تعد تعويضاً وفقاً لما ذهبت إليه الاتفاقية [662] ، وإنما هى مقابل حبس النقود فحسب [663] .

ذلك أنه إذا أجيز لهذا المتعاقد أن يطالب خلال المهلة الإضافية بالتعويضات عن التأخر فى التنفيذ، فإن ما قد يقضى به من تعويضات تستحق عليها فوائد ما دامت لم يتم دفعها، كما تستحق الفوائد على أى مبالغ أخرى مستحقة يتأخر المتعاقد الآخر فى دفعها. وهذه الفوائد يجب دفعها فى جميع الأحوال باعتبار أنها مقابل حبس النقود كما سبق القول.

ثانياً: الحق فى الفسخ بعد انتهاء المهلة الإضافية:

165- ويتمثل الأثر الثانى لمنح المهلة الإضافية فى أنه بانتهائها دون أن ينفذ الطرف المخالف التزامه خلالها، يحق للطرف المضرور الذى منحها إعلان فسخ العقد ولو كانت المخالفة المرتكبة منذ بدايتها غير جوهرية، إذ أنها تتحول بانقضاء هذه المهلة إلى مخالفة جوهرية [664] .

لكن الاتفاقية لم تجعل هذا الحكم عاماً بالنسبة لجميع الالتزامات، وإنما قصرته على الالتزام بالتسليم بالنسبة للبائع والالتزام بدفع الثمن وتسلم البضاعة بالنسبة للمشترى [665] . فإذا كان منح المهلة الإضافية لتنفيذ التزام آخر خلاف هذه الالتزامات، كالالتزام بالمطابقة مثلاً، فإن عدم التنفيذ خلالها لا يؤدى إلى جعل المخالفة جوهرية تجيز فسخ العقد [666] .

وقد كان هذا الحكم محل مناقشات استمرت طوال مراحل إعداد الاتفاقية، وجاء كحل وسط للتوفيق بين رأيين، يذهب أولهما إلى رفض فكرة تحول المخالفة غير الجوهرية إلى مخالفة جوهرية بعد انتهاء المهلة الإضافية، حتى
لا يستغلها أحد المتعاقدين إذا أراد التخلص من العقد، فيتربص بالمتعاقد الآخر حتى إذا ارتكب مخالفة تافهة منحه مهلة إضافية قصيرة لتنفيذ التزامه بشأنها، فإذا انقضت أعلن فسخ العقد فوراً استناداً إلى تحول هذه المخالفة إلى مخالفة جوهرية، بينما يذهب الرأى الثانى إلى طلب تعميم هذه الفكرة لتشمل التخلف عن تنفيذ أى التزام من الالتزامات [667] .

166- وكانت اتفاقية لاهاى لسنة 1964 قد أخذت بذات الحكم، فجعلت عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه خلال المهلة الإضافية مؤدياً إلى تحول المخالفة غير الجوهرية إلى مخالفة جوهرية تجيز فسخ العقد [668] . لكنها أضافت الالتزام بالمطابقة إلى الالتزامات التى يطبق بشأنها هذا النظام، فأجازت للمشترى أن يعين للبائع ميعاداً إضافياً ليقوم خلاله بإصلاح عدم المطابقة، فإذا لم يقم بذلك خلال هذا الميعاد جاز للمشترى فسخ العقد [669] .

ورتبت قواعد الـ Unidroit ذات الأثر على تخلف المدين عن تنفيذ التزامه خلال المهلة الإضافية التى منحها له الدائن، فأجازت له فسخ العقد عند انتهاء هذه المهلة دون تنفيذ، بالإضافة إلى أخذها بالأثر الأول لمنح المهلة الإضافية بمنعها الدائن من اللجوء إلى أى وسيلة من وسائل معالجة الإخلال سوى المطالبة بالتعويضات ووقف تنفيذ التزاماته [670] .

لكنها لم تقصر الأثر المتعلق بفسخ العقد بعد انتهاء المهلة على التزامات معينة، إنما أجازته بالنسبة لأى التزام يمنح المدين به مهلة إضافية لتنفيذه. بل إنها أجازت للدائن أن يضمن إخطاره ما يفيد أن إخلال المدين بالتنفيذ خلال المدة المسموح بها فى الإخطار سوف يترتب عليه فسخ العقد تلقائياً [671] .

167- وقد أجاز قانون التجارة المصرى الجديد للمشترى أن يخطر البائع بأن عدم تنفيذ التزامه بالتسليم خلال المدة المناسبة التى حددها له يترتب عليه اعتبار العقد مفسوخاً [672] . فيصبح الفسخ بذلك حتمياً لا يكون للمحكمة أية سلطة تقديرية فى شأنه [673] . ولا يكون ذلك إلا بمناسبة تخلف البائع عن تنفيذ الالتزام بالتسليم وحده.

ويقترب ذلك من الرأى السائد فى الفقه المصرى والذى يذهب إلى أن القاضى إذا منح المدين مهلة لتنفيذ التزامه، فيجب عليه القيام بتنفيذه خلال هذه المهلة وليس له أن يتعداها، فإذا انقضت المهلة دون تنفيذ يعتبر العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه ولو لم ينص القاضى فى حكمه على ذلك [674] .

168- وتعد الالتزامات التى رتبت اتفاقية فيينا على التخلف عن تنفيذها خلال المهلة الإضافية إمكان فسخ العقد، هى الالتزامات الجوهرية فى عقد البيع، وهى الالتزام بالتسليم بالنسبة للبائع والالتزام بدفع الثمن وتسلم البضاعة بالنسبة للمشترى. ويعنى ذلك أنها فى هذا النطاق قد ربطت بين الإخلال بالتزام جوهرى وتحول المخالفة غير الجوهرية إلى مخالفة جوهرية، فلا تتحول المخالفة غير الجوهرية إلى مخالفة جوهرية إلا بصدد هذه الالتزامات الجوهرية وحدها. رغم أنها منذ البداية قد رفضت هذه الفكرة فى نطاق تعريف المخالفة الجوهرية، ولم تعتد فى هذا التعريف إلا بحجم الضرر الذى ترتب على المخالفة، دون نظر إلى نوع الالتزام الذى تمت مخالفته [675] .

ويشمل الالتزام بالتسليم تسليم البضاعة فى المكان والزمان المتفق عليهما، لكنه لا يشمل الالتزام بتسليم المستندات، لأن نص الاتفاقية جاء صريحاً فى قصر الحكم على حالة عدم قيام البائع بتسليم البضاعة خلال المهلة الإضافية [676] .

ويشمل الالتزام بدفع الثمن قيام المشترى باتخاذ كل ما يلزم للوفاء بالثمن، كإعداد خطاب الضمان والحصول على النقد الأجنبى واستيفاء إجراءات تحويل النقد، أما الالتزام بتسلم البضاعة فيشمل قيام المشترى بكل عمل يمكن عقلاً توقع قيامه به لتمكين البائع من إتمام تنفيذ التزامه بالتسليم [677] .

وقد قضى بأحقية البائع فى فسخ العقد فى قضية تخلص وقائعها فى أن عقداً قد أبرم فى مارس 1991 بين شركة إيطالية وأخرى فنلندية، اتفق فيه على أن تبيع الأولى للثانية لافتات صناعية وتلتزم الثانية بسداد الثمن على دفعات، وتستحق الدفعة الثالثة من الثمن بعد فحص البضاعة. وتم فحص البضاعة بتاريخ 28 نوفمبر 1991 لكن المشترية لم تدفع هذه الدفعة من
الثمن، وانتظرت الشركة البائعة عدة أشهر رغم علمها بعدم وجود موارد مالية للمشترية. وفى 10 مارس 1992 أعلنت فسخ العقد. وعندما أثير النزاع أمام هيئة التحكيم بغرفة التجارة الدولية بباريس، قضى بأحقية الشركة البائعة
فى فسخ العقد استناداً إلى أن الفترة التى انتظرتها منذ تاريخ استحقاق الدفعة الثالثة من الثمن فى 28 نوفمبر 1991 وحتى تاريخ إعلان الفسخ في 10 مارس 1992 تعد مهلة إضافية منحتها للمشترية لتنفيذ التزامها بدفع
الثمن، وما دام لم يتم السداد خلالها فيحق لها إعلان فسخ العقد إعمالاً  للمادة 64 فقرة 1 بند ب [678] .

كما قضت المحكمة الفيدرالية باستراليا فى قضية Roder Zelt-Und Hallen Konstruktionen Gmb H V. Rosedown Park Pty LTD, بأن تخلف المشترى عن دفع فوائد الثمن المتفق عليها بسبب تعرضه لمشاكل مالية وتعيين مصف لأعماله، لا يعد مخالفة جوهرية للعقد، لأن البائع لم يطالب بهذه الفوائد قبل تعيين المصفى، ولم يتمسك بحقه فى إعطاء المشترى مهلة إضافية لتنفيذ التزامه وفقاً للمادة 63 من الاتفاقية قبل فسخ العقد. لكن هذا الحكم انتقد لأن منح المهلة الإضافية يعد إجراءً اختيارياً لا يلزم البائع بالقيام به إذا اعتقد أن التأخير فى الدفع يشكل مخالفة جوهرية [679] .

169- جواز منح مهلة إضافية جديدة بعد انتهاء الأولى: ولا يعد فسخ العقد بانقضاء المهلة الإضافية دون تنفيذ أمراً واجباً، إذ يجوز للمتعاقد الذى منحها أن يعدل عن الفسخ ويمنح الطرف الآخر مهلة إضافية جديدة، ويكون لهذه المهلة الجديدة ذات الآثار القانونية التى كانت للأولى [680] ، أى أن المتعاقد الذى منحها يفقد حقه فى استعمال أى حق من الحقوق التى قررتها له الاتفاقية فى حالة مخالفة العقد طوال مدة سريان هذه المهلة، ومنها حقه فى إعلان فسخ العقد، لكنه بانقضاء هذه المهلة دون أن ينفذ الطرف المخل التزامه يحق له فسخ العقد ولو كانت المخالفة منذ بدايتها غير جوهرية، وذلك فيما يتعلق بالالتزامات سالفة البيان التى حددتها الاتفاقية.

- فسخ العقد قبل انتهاء المهلة الإضافية:

170-  1  الإخطار بعدم التنفيذ خلال المهلة الإضافية: وإذا كان المتعاقد الذى منح المهلة الإضافية يملك حق إعلان فسخ العقد بمجرد انتهاء المهلة الإضافية دون تنفيذ المتعاقد الآخر لالتزاماته، فإنه يملك هذا الحق أيضاً قبل انتهاء المهلة الإضافية إذا أخطره الأخير بأنه سوف لا ينفذ التزاماته خلالها [681] . وفى هذه الحالة يسترد حقوقه التى كان قد منع من استعمالها خلال المهلة إضافية، فيحق له استعمال أى منها ومنها حقه فى إعلان فسخ العقد [682] . ويفسر هذا الحكم بأنه ليس من المقبول أن ينتظر الطرف المضرور حتى انتهاء المهلة الإضافية رغم إصرار الطرف المخالف على مخالفته وإعلانه صراحةً أنه سوف لا ينفذ التزاماته خلالها. إذ أنه بإصداره هذا الإعلان يكون قد أنهى ما أثير بشأن مخالفته من شك، بما يؤدى إلى توافر اليقين على ارتكابه لها [683] .

ولا يشترط لتطبيق هذا الحكم أن تكون المخالفة المرتكبة منذ بدايتها جوهرية، إذ أنه يطبق ولو كانت المخالفة غير جوهرية وأعلن المتعاقد أنه لن ينفذ التزامه بخصوصها قبل انتهاء المهلة الإضافية، لأنها تتحول بذلك إلى مخالفة جوهرية وفقاً للحكم الذى وضعته الاتفاقية فى هذا الخصوص [684] .

171- وقد تضمنت قواعد الـ Unidroit ذات الحكم، إذ أجازت للدائن استعمال كافة الوسائل التى قررتها لمواجهة إخلال المدين بالتزاماته، إذا أخطره المدين أنه لن ينفذ التزاماته خلال الأجل الإضافى الممنوح له [685] .

ويماثل هذا الحكم ما يقضى به القانون المصرى من عدم لزوم الإعذار إذا صرح المدين كتابةً أنه لا يريد تنفيذ التزامه، إذ بعد هذا التصريح الثابت بالكتابة لا جدوى فى إعذاره [686] . واعتبرت محكمة النقض المصرية من قبيل ذلك عرض المشترى ثمناً أقل مما هو ملزم بسداده وتصميمه على ذلك لحين الفصل فى الدعوى، فلا ضرورة لإعذاره لأنه بذلك يكون قد صرح بعدم رغبته فى القيام بالتزامه [687] .

172- ولا يلزم للاعتداد بالإخطار الذى يوجهه المتعاقد بأنه سوف لا ينفذ التزاماته أن يأخذ شكلاً خاصاً، فقد يكون كتابةً أو شفهياً، لكنه لابد أن يكون واضحاً فى الدلالة على ذلك، كأن يقرر فى الإخطار أنه لن ينفذ التزامه أو أنه غير قادر على التنفيذ أو لم يعد فى حاجة إلى العقد. أما إذا تضمن احتمال عدم تنفيذه التزامه أو عدم تأكده من قدرته على التنفيذ أو طلبه مد
فترة المهلة الإضافية فلا يعد كافياً فى الدلالة على ذلك ولا ينتج الأثر الذى قصدته الاتفاقية [688] .

ويجب أن يصل إخطار عدم التنفيذ إلى علم من وجه إليه حتى يحدث أثره، ولا تطبق فى شأنه القاعدة التى وضعتها الاتفاقية والتى تعطى الحق لمرسل الإخطار فى التمسك به ولو تأخر وصوله أو لم يصل على وجه الإطلاق ما دام قد أرسل بوسيلة مناسبة [689] .

ويرجع ذلك إلى أن هذه القاعدة لا تطبق إلا على الإخطارات التى يبعث بها أحد الطرفين وفقاً لأحكام الاتفاقية، أى تنفيذاً لأحكامها. ولا يوجد أى حكم فى الاتفاقية ينظم كيفية توجيه إخطار من المتعاقد بعدم تنفيذه لالتزاماته، لأنها تشجع تنفيذ العقد وليس التنصل من التزاماته [690] .

ولا يحدث الإخطار أثره إلا إذا تم توجيهه بعد منح المهلة الإضافية، أما إذا وجه قبل حلول ميعاد التنفيذ المتفق عليه فى العقد فلا يمكن التعويل عليه لفسخ العقد قبل حلول هذا الميعاد قياساً على حكم المهلة الإضافية. لكن هذا الإخطار يمكن أن يعد إخلالا مبتسراً بالعقد إذا كان حاسماً وقاطعاً فى أن التنفيذ لن يتم فى جميع الأحوال، ويجيز بالتالى إعلان الفسخ المبتسر للعقد استناداً إلى المادة 72 من الاتفاقية كما سنرى لاحقا [691] .

وإذا تم توجيه الإخطار قبل حلول ميعاد التنفيذ وتأخر وصوله إلى ما بعد منح المهلة الإضافية، فلا يجوز التعويل عليه للجزم بأن المتعاقد الذى أرسله لن يقوم بتنفيذ التزاماته، لأن المهلة الإضافية قد تكون دافعاً له لبذل المزيد من الجهد ليتمكن من تنفيذ التزاماته خلالها [692] .

173-  2  توقع عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه خلال المهلة الإضافية: وإذا لم يتلق المتعاقد إخطاراً من المتعاقد الآخر بأنه سوف لا ينفذ التزاماته خلال المهلة الإضافية، ولكن تبين بوضوح قبل انتهاء هذه المهلة أنه سوف لا ينفذ التزامه خلالها، كأن يشهر إفلاس المشترى أو تحترق مصانع البائع أو تقوم حرب فى دولة أى واحد منهما، فهل يحق له فى هذه الحالة إعلان فسخ العقد فوراً أم ينتظر حتى انتهاء اجل المهلة الإضافية ؟

ذهب رأى إلى أنه يحق له إعلان فسخ العقد فوراً إذا توافر اليقين على أن الالتزام لن يتم تنفيذه قياساً على حكم الفسخ المبتسر فى المادة 72 من الاتفاقية [693] . بينما ذهب رأى آخر إلى أنه لا يجوز فى هذه الحالة إعلان فسخ العقد ولو ظهر بوضوح أن المتعاقد لن يلتزم بالمهلة الإضافية [694] .

لكننا نرى أنه يتعين التفرقة فى هذه الحالة بين فرضين: الأول أن تكون المخالفة المرتكبة والتى تم منح المهلة الإضافية 1بسببها منذ بدايتها جوهرية، وفى هذه الحالة إذا تبين بوضوح قبل انقضاء المهلة الإضافية أن الطرف المخالف لن ينفذ التزامه بخصوصها خلال هذه المهلة، فإنه يحق له إعلان فسخ العقد فى الحال. ذلك أنه يملك هذا الحق قبل حلول ميعاد التنفيذ الأصلى وفقا لأحكام الفسخ المبتسر للعقد [695] ، فمن باب أولى يحق له ذلك بعد حلول ميعاد التنفيذ وقبل انقضاء أجل المهلة الإضافية.

 والفرض الثانى أن تكون المخالفة المرتكبة منذ بدايتها غير جوهرية، وفى هذه الحالة يتعين الانتظار حتى انقضاء المهلة الإضافية لإعلان فسخ العقد، لأن هذه المخالفة لا تتحول إلى مخالفة جوهرية وفقاً لنص الاتفاقية إلا بانقضاء المهلة الإضافية دون تنفيذ أو بإخطار يوجه من الطرف المخالف بأنه سوف لا ينفذ التزامه، ولا يجوز تطبيق حكم الفسخ المبتسر فى هذه الحالة لأنه حكم استثنائى ينبغى عدم التوسع فى تطبيقه، فلا يطبق على حالات لم تذكر صراحة به.

174-  3  ارتكاب مخالفة جوهرية جديدة تتعلق بالتزام آخر: وإذا كانت المهلة الإضافية قد تم منحها بسبب التخلف عن تنفيذ التزام معين، فإنه يمكن إعلان الفسخ قبل انقضائها إذا ارتكب المتعاقد مخالفة جوهرية تتعلق بالتزام آخر [696] . فإذا منح المشترى للبائع مهلة إضافية لتنفيذ التزامه بالتسليم، وقام البائع بالتسليم فعلاً فور منحه هذه المهلة لكن المشترى اكتشف وجود عيب فى مطابقة البضاعة المسلمة يصل إلى درجة المخالفة الجوهرية، فإنه يستطيع فى هذه الحالة إعلان فسخ العقد فوراً حتى ولو كانت المهلة الإضافية لم تنقض بعد.

بل إن المتعاقد يستطيع ذلك ولو لم يكن الالتزام الذى تم منح المهلة الإضافية بسببه قد تم تنفيذه، فإذا كان البائع قد قام بتسليم البضاعة ومنح المشترى مهلة إضافية لدفع الثمن، ثم تبين له بعد منح هذه المهلة أن المشترى لم يتخذ الإجراءات اللازمة لاستلام البضاعة مما يهددها بالتلف، فإذا أمكن اعتبار هذه المخالفة جوهرية جاز له فسخ العقد دون انتظار تنفيذ المشترى لالتزامه بدفع الثمن ودون انتظار انقضاء المهلة الإضافية.

175- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن اتفاقية فيينا قد حاولت قدر 1إمكانها الحفاظ على العقد، ففتحت السبيل أمام المتعاقدين لكى ينفذ كل منهما التزاماته التى تخلف عن تنفيذها حتى بعد انقضاء الأجل الأصلى للتنفيذ بإجازتها منح المتعاقد الذى تخلف عن تنفيذ التزاماته مهلة إضافية لكى يقوم بهذا التنفيذ. ورغبة منها فى توفير مناخ الثقة بين المتعاقدين، ألزمت المتعاقد الذى منح المهلة الإضافية بعدم اللجوء إلى أى وسيلة من الوسائل التى قررتها لمواجهة الإخلال بالعقد طوال مدة سريان المهلة الإضافية حتى يطمئن الطرف المخالف إلى أن ما سيبذله من جهد خلال هذه المهلة سوف يؤتى ثماره ولن يفاجأ بعدول المتعاقد الآخر عن منحها.

لكن الاتفاقية مع ذلك لم تشأ الإبقاء على العقد إذا ظهر تقاعس الطرف المخالف عن تنفيذ التزاماته خلال المهلة الإضافية، فأجازت للمتعاقد الآخر إعلان فسخ العقد إذا انقضت المهلة الإضافية دون تنفيذ أو إذا وجه إليه إخطار بعدم التنفيذ خلالها.

بل إن الاتفاقية أرادت معاقبة المتعاقد الذى يسرت له السبيل لتنفيذ التزامه فنكل عن ذلك، فقررت حكماً جديداً هو تحول المخالفة غير الجوهرية إلى مخالفة جوهرية إذا انقضت المهلة الإضافية دون أن يتم تنفيذ الالتزام المتعلق بها. لكنها مع ذلك قيدت هذا الحق بقصره على التخلف عن تنفيذ الالتزامات الجوهرية فى عقد البيع، وهى الالتزام بتسليم البضاعة بالنسبة للبائع والالتزام بدفع الثمن واستلام البضاعة بالنسبة للمشترى.

فيظهر جلياً من ذلك أن الاتفاقية تسعى جاهدة للوصول إلى تنفيذ كل طرف لالتزاماته المتفق عليها فى العقد، ولا تفتح لهما باب الفسخ إلا إذا بدا واضحاً أن التنفيذ لن يتم وأنه لا سبيل أمامهما إلا إنهاء العقد.


الباب الثانى

الفسخ المبتسر والفسخ الجزئى للعقد

176- تمهيد وتقسيم: يشترط لكى يستطيع أحد المتعاقدين اللجوء إلى إعلان فسخ العقد أن يصدر عن المتعاقد الآخر إخلال فى تنفيذ التزاماته. ولا يمكن القول بوقوع إخلال فى تنفيذ التزام معين إلا إذا كان هذا الالتزام مستحق الأداء، فلا يتوافر الإخلال إذا لم يكن كذلك [697] .

لكن قد يحدث من الناحية العملية أن يظهر بعد إبرام العقد، وقبل حلول ميعاد تنفيذه، أن أحد طرفيه - سواء كان البائع أم المشترى - لن يقوم بتنفيذ التزامه الذى تعاقد عليه، أو سوف يرتكب مخالفة فى التنفيذ. ويحدث ذلك إذا أشهر إفلاس هذا المتعاقد، أو أضرب عماله عن العمل بما هدد مصانعه بالتوقف، أو أصيبت مصانعه بكارثة كحريق أدى إلى توقفه عن الإنتاج. فهل يجب فى هذه الحالة أن نغض الطرف عن هذا الإخلال المتوقع ونلزم المتعاقد الآخر بتنفيذ التزامه، فيسلم البائع البضاعة حتى ولو كان واضحاً أن المشترى لن يتمكن من دفع الثمن إليه، أو أن يدفع المشترى الثمن حتى ولو كان ظاهراً أن البضاعة لن يتم تسليمها إليه أو أنها سوف تكون معيبة؟ [698] .


واجهت اتفاقية فيينا هذا الفرض لما قد يثيره من اضطراب فى العلاقات التجارية الدولية، فأجازت للمتعاقد فى هذه الحالة فسخ العقد إذا توافرت شروط معينة، وذلك رغبة منها فى رفع الحرج عنه وإشاعة الثقة والطمأنينة في التعامل التجارى الدولى [699] .

177- وإذا كان الأصل أن الفسخ، سواء كان مبتسراً أم عند حلول ميعاد تنفيذ الالتزام، يكون كلياً بحيث يتعلق بالعقد بأكمله. فإن الاتفاقية قد سمحت بالفسخ الجزئى للعقد، وأفردت له أحكاماً خاصة. فوضعت حكماً خاصاً بفسخ العقد فى حالة الإخلال الجزئى به، أقرت فيه إمكانية فسخ العقد فيما يتعلق بالجزء الذى لم يتم تسليمه أو غير المطابق وحده [700] .

كما وضعت حكماً خاصاً بالفسخ الجزئى فى عقود البيع على دفعات ألحقته بالفصل الخاص بالإخلال المبتسر بالعقد، وأجازت فيه أن يقتصر الفسخ على الدفعة التى حدث الإخلال بشأنها [701] .

178- وعلى ذلك نقسم هذا الباب إلى فصلين، نتكلم فى الفصل الأول منهما عن الفسخ المبتسر للعقد، وفى الفصل الثانى عن الفسخ الجزئى.


الفصل الأول

الفسخ المبتسر للعقد

179- تمهيد وتقسيم: يحدث كثيراً فى التجارة الدولية أن تجد ظروف تعوق تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزاماته، أو تثير مشاكل بخصوص هذا التنفيذ. وإذا كان من غير المرغوب فيه أن تعجل هذه المشاكل بفسخ العقد قبل حلول أجل تنفيذه لوجود احتمال أن يتمكن المتعاقد من التغلب عليها بمرور الوقت، فإنه من غير المرغوب فيه أيضاً الإبقاء على العقد رغم ما قد يظهر واضحاً  من أن مخالفة جوهرية للعقد سوف ترتكب [702] .

لذلك أجازت اتفاقية فيينا للمتعاقد فسخ العقد إذا تبين بوضوح قبل حلول ميعاد تنفيذ العقد أن المتعاقد الآخر سوف يرتكب مخالفة جوهرية [703] . وأخذت الاتفاقية هذا الحكم عن القوانين الأنجلو أمريكية [704] ، والتى يشكل الإخلال المبتسر بالعقد فيها نظرية متكاملة استقرت قواعدها منذ زمن بعيد.

وإذا كانت الدول التى تأخذ بنظام القانون المدنى - ومنها مصر - لا تعرف نظرية الإخلال المبتسر بالعقد، إلا أنه قد يوجد بأحكامها ما يماثل هذه النظرية دون الإشارة إلى المصطلح الذى استخدمه القانون الأنجلو أمريكى.

وعلى ذلك تتكلم فى هذا الفصل أولاً عن الإخلال المبتسر فى القانون الأنجلو أمريكى، ثم عن الإخلال المبتسر فى القانون المصرى، ونتكلم أخيراً  عن تنظيم اتفاقية فيينا للفسخ المبتسر.


الفرع الأول

الإخلال المبتسر
فى القانون الأنجلو أمريكى

180- المقصود بالإخلال المبتسر: يقصد بالإخلال المبتسر بالعقد anticipatory breach of contract [705] . تأكيد أحد طرفى العقد أنه لن ينفذ التزامه المتفق عليه عندما يحل أجله، ويحدث ذلك إذا أعلن هذا المتعاقد بصورة واضحة لا لبس فيها قبل التاريخ المحدد للتنفيذ نيته فى عدم تنفيذ العقد عندما يحل هذا التاريخ، وفى هذه الحالة يستطيع المتعاقد الآخر أن يتعامل مع العقد باعتباره قد انقضى [706] ، فيوقف تنفيذ التزاماته ويقيم دعواه فى الحال بسبب هذا الإخلال [707] .

ويقوم هذا النظام على أساس التفرقة بين العقد المستقبل executory contract والعقد الفورى executed contract، إذ لا يتم فى النوع الأول تنفيذ التزامات الطرفين فور إبرام العقد وإنما فى ميعاد يتفق عليه، أما فى النوع الثانى فيتم تنفيذ هذه الالتزامات بمجرد إبرام العقد، كأن يكون العقد بيعاً يتم فور إبرامه تسليم المبيع وتقاضى الثمن. ولا يعد المتعاقد فى النوع الأول من العقود قد ارتكب مخالفة فعلية للعقد إلا عندما يحل الميعاد المحدد لتنفيذ التزامه فعلاً. أما إذا صدر عنه قبل ذلك ما يؤكد أنه سوف يرتكب مخالفة للعقد الذى لم يحن موعد تنفيذه بعد - سواء كان ذلك صراحةً أم ضمناً - فيعد ما صدر عنه إخلالاً مبتسراً [708] .

181- وقد نشأ مبدأ الإخلال المبتسر فى القانون الإنجليزى فى قضية Hochster V. De La Tour فقد تعاقد Albert Hochster مع Edgar De la Tour على أن يعمل لديه اعتباراً من 1 يونيه 1852، وفى 11 مايو 1852 أرسل De la Tour إخطاراً إلى Hochster يبلغه فيه أنه غير رأيه وأنه لا يحتاج إلى خدماته، فأقام الأخير دعوى فى 22 مايو 1852 يطالب فيها بالتعويضات عن الإخلال بالعقد، وكان دفاع صاحب العمل أنه لا يمكن أن يكون هناك أى إخلال بالعقد قبل أول يونيه 1852. لكن المحكمة لم تأخذ بهذا الدفاع وقررت بأحقية Hochster فى إقامة دعواه، وأنه لم يكن عليه الانتظار حتى أول يونيه 1852 بل له أن يقيمها فى الحال. واستقرت منذ ذلك الحين قاعدة تقرر أن المضرور فى العقد الملزم للجانبين يحق له المطالبة بالتعويضات فى الحال عن الإخلال المبتسر بالعقد، ولا يكون عليه الانتظار حتى الموعد الأصلى لتنفيذ الالتزام [709] .

182- الإخلال المبتسر بالقول أو الفعل: ويتحقق الإخلال المبتسر بكل تصريح يعلنه المتعاقد أو فعل يصدر عنه، يكشف عن نيته فى عدم تنفيذ التزامه عندما يحل أجله [710] . أى أن يصرح أو يتصرف بما يجعل تنفيذ التزامه مستحيلاً أو يشير إلى تصميمه على عدم التنفيذ أو الاستمرار فى التنفيذ. ونظراً للنتائج شديدة القسوة التى تترتب على هذا الإخلال فإن المحاكم
لا تميل إلى تطبيقه إلا إذا توافر دليل واضح لا يشوبه غموض على قصد الإخلال بالعقد [711] .

وعلى ذلك يعد إخلالاً بالعقد كل قول أو كتابة تصدر عن المتعاقد يعبر بها عن نيته فى عدم تنفيذ التزامه المؤجل فى الموعد المحدد له. وهذا التصريح لابد أن يكون قطعياً، بأن يعبر عن نية وعزم نهائيين على عدم التنفيذ. وأن يكون واضحاً غير غامض، بأن يدل بصفة يقينية على نيته في عدم التنفيذ، فإذا كان يحمل أكثر من معنى لا يعد إخلالاً. وأن يكون مطلقاً
غير مشروط، بأن لا يعلق عدم تنفيذه التزامه على حصول أمر مستقبل غير مؤكد الحصول [712] .

فإذا صدر عن أحد المتعاقدين تصريح بأنه يواجه صعوبات فى الإعداد للتنفيذ، أو أنه غير راض عن الصفقة، فإن هذا التصريح لا يعد كافياً للقول بوجود إخلال [713] . كذلك لا يعد إخلالاً تعبير المتعاقد عن خشيته وعدم تأكده من أن التنفيذ سوف يتم فى الميعاد المحدد، أو حتى تهديده بعدم التنفيذ، لأنه لا يعد فى هذه الحالة تصريحا قطعياً [714] .

وإذا أرسلت الشركة المشترية إلى البائع تبلغه أنها تصفى أعمالها، فإن ذلك لا يعد إخلالاً لأنه لا يدل بوضوح على نيتها في عدم تنفيذ التزامها أو عجزها عن الدفع [715] . بل إنها قد تكون بهذا التصريح تتعجل قيامه بتنفيذ التزامه.

وإذا وضع المتعاقد شروطاً للاستمرار فى التنفيذ تزيد عما اتفق عليه فى العقد، فإن ذلك يعد إخلالاً [716] . أما مجرد طلب تعديل شرط من شروط العقد فلا يعد إخلالاً، لأنه لا يفيد أنه سوف يمتنع عن التنفيذ إذا لم يستجب المتعاقد الآخر إلى طلبه [717] .

183- ويعد إخلالاً بالعقد كل فعل يصدر عن أحد المتعاقدين يظهر نيته فى عدم تنفيذ التزامه عند حلول أجله. كأن يأتى فعلاً يجعل تنفيذ التزامه عند حلول أجله مستحيلاً، ومثال ذلك أن يتلف المنشآت التى باعها قبل حلول
موعد تسليمها. أو يبرم تصرفاً يتعارض مع عقد البيع الذى أبرمه، ومثال ذلك أن يبيع العين المبيعة مرة ثانية أو يقرر حق رهن عليها، مما يعد إخلالاً منه بالتزامه بنقل ملكيتها إلى المشترى خالصة من أى حق للغير عليها [718] .

وقد لا يصدر عن المتعاقد أى فعل لكن الظروف تدل بوضوح على أن تنفيذ التزامه أصبح بعيد الاحتمال. فإذا تعاقد شخص مع آخر على بيع قطعة أرض له، فلا يعد إخلالاً منه بالعقد أن تكون هذه الأرض فى حيازة ثالث، إذ
أن البائع يتعين عليه أن يكون قادراً على استرداد هذه الحيازة منه لتنفيذ عقد البيع، ولن يتضح ذلك إلا عند حلول ميعاد التنفيذ. أما إذا كانت الأرض فى حيازة جهة حكومية لا تسمح لها القوانين بالتخلى عن حيازتها، فإنه يكون واضحاً عدم قدرة البائع على تنفيذ التزامه [719] .

ولا تعد عدم قدرة المتعاقد على التنفيذ إخلالاً منه بالعقد، مادام أنه لا يمكن الجزم بصورة قاطعة أنها سوف تستمر حتى حلول أجل تنفيذ التزامه، إذ قد تتوافر له هذه القدرة قبل ذلك. فلو تعرض المشترى لأزمة مالية تؤثر على قدرته على تنفيذ التزامه بدفع الثمن عند حلول أجله، فلا يمكن القول بأنه قد أخل بهذا الالتزام، إذ قد يستطيع التغلب على هذه الأزمة وتدبير موارد مالية له قبل حلول أجل تنفيذ التزامه [720] .

184- إفلاس المتعاقد أو إعساره وأثره: وثار الخلاف حول إفلاس المتعاقد أو إعساره وهل يعد إخلالاً منه بالعقد أم لا، لما قد يترتب عليه من عجزه عن تنفيذ التزاماته عند حلول أجلها. وقد اتجهت بعض الأحكام فى القضاء الأمريكى فى البداية إلى اعتبار الإفلاس إخلالاً بالعقد، لكن الرأى الغالب فى الفقه لم يعتبره إخلالاً، استناداً إلى أنه - وإن أوجد احتمالاً أو خشية لعدم التنفيذ - فهو لا يجعله مستحيلاً إذ يحق لوكيل الدائنين تنفيذ التزامه إذا  وجد ذلك فى صالحه [721] .

وقد تضمن قانون البيع الإنجليزى لعام 1979 حكماً يواجه به حالة إعسار المشترى، إذ أجاز للبائع فى هذه الحالة أن يقوم بحبس البضاعة الموجودة فى حيازته وعدم تسليمها للمشترى حتى يستوفى الثمن [722] . أى أنه يعطى البائع الحق فى إيقاف تنفيذ التزامه بالتسليم بسبب عدم التنفيذ المتوقع من جانب المشترى لالتزامه بدفع الثمن. لكن إيقاف التنفيذ فى هذه الحالة هو حق للبائع وحده، وفى حالة واحدة هى حالة إعسار المشترى [723] .

فوفقاً لهذا الحكم الذى أخذ به القانون الإنجليزى يحق للبائع، رغم موافقته على تأجيل دفع الثمن، أن يمتنع عن تسليم البضاعة حتى يستوفى حقه من الثمن كاملا فى حالة إعسار المشترى. لكن الحق المقرر للبائع هنا هو مجرد وقف تنفيذ التزامه حتى ينفذ المشترى التزامه أولاً أو يتضح موقفه من هذا التنفيذ، فلا يجوز له فسخ العقد أو استعمال أى حق من الحقوق المقررة له فى حالة الإخلال بالعقد. ذلك أن إعسار المشترى فى حد ذاته لا يعد إخلالاً  بالعقد، إذ يستطيع الحارس القضائى أن يسدد الثمن ويطالب البائع بتسليم البضاعة. لكن هذا الإعسار يمكن أن يعد إخلالاً إذا صدر عن المشترى ما يؤكد أنه لن يستمر فى تنفيذ العقد، وفى هذه الحالة يستطيع البائع أن يتعامل مع العقد باعتباره قد انقضى فيعيد بيع البضاعة، وإذا لحقت به خسارة من جراء ذلك كان له أن يطالب الحارس القضائى بالتعويض عنها [724] .

وقد واجه القانون التجارى الأمريكى الموحد U.C.C. حالة إفلاس المشترى أيضاً، وأعطى البائع الحق إذا كانت البضاعة لا تزال فى حيازته أن يمتنع عن تسليمها إذا أفلس المشترى إلا فى مقابل سداد كامل الثمن [725] . وإذا كانت البضاعة قد تم تسليمها للمشترى مقابل سداد الثمن على أقساط، فإن البائع يستطيع مع ذلك مطالبة المشترى بإعادتها إليه إذا اكتشف إفلاسه، بشرط أن يتم ذلك بطلب يوجهه إليه خلال عشرة أيام من تاريخ استلامه البضاعة [726] .

بل أجاز القانون التجارى الأمريكى الموحد إذا كانت البضاعة قد تم تسليمها لناقل لتسليمها للمشترى، أن يوقف البائع تسليمها للمشترى إذا اكتشف إفلاسه [727] .

185- اشتراط استطاعة المضرور تنفيذ التزامه: ويجب للقول بوجود إخلال مبتسر بالعقد أن يكون الطرف المضرور نفسه قادراً على تنفيذ التزامه هو، فإذا ثبت قبل الموعد المحدد لدفع الثمن أن المشترى لن يستطيع الدفع
فى هذا الميعاد، فإنه لن يكون قد ارتكب إخلالاً مبتسراً بالعقد إذا كان البائع  هو نفسه غير قادر على تسليم البضاعة [728] . ويرجع ذلك إلى أن الإخلال المبتسر للمشترى فى هذه الحالة لن يؤدى إلى حرمان البائع من منفعة العقد الأساسية بالنسبة له، لأنه إذا كان غير قادر على التنفيذ فلن تكون هناك منفعة للعقد بالنسبة له كى يحرم منها [729] .

186- مواجهة الإخلال المبتسر بالعقد: وإذا تحقق الإخلال المبتسر بالعقد من جانب أحد المتعاقدين، فإن المتعاقد الآخر يستطيع أن يغض الطرف عن هذا الإخلال، ويواصل تنفيذ التزاماته انتظاراً لحلول أجل تنفيذ التزامات الطرف المخالف حتى يتأكد من إن إخلالاً بالعقد سوف يصدر منه فعلاً. لكنه يستطيع قبل حلول هذا الأجل أن يتخذ عدداً من الإجراءات لمواجهة الإخلال المبتسر من جانب المتعاقد الآخر، تتمثل أساساً فى حقه فى إيقاف تنفيذ التزاماته وحقه فى إقامة دعواه فى الحال بالفسخ أو التعويض.

فيحق للطرف المضرور أن يواجه الإخلال المبتسر بالعقد بإيقاف تنفيذ التزاماته حتى ينفذ الطرف الآخر التزاماته. ولا يعد هذا الإيقاف إخلالاً من جانبه بالعقد، وإنما هو فعل مشروع لأنه جاء نتيجة إخلال المتعاقد الآخر [730] . ولا يحق للطرف الذى ارتكب الإخلال المبتسر بالعقد أن يطالب بأى تعويضات عن ذلك، حتى ولو قام بتنفيذ التزاماته بعد ذلك، لأن توقف الطرف المضرور عن تنفيذ التزاماته كان بسبب هذا الإخلال الصادر منه [731] .

ويحق للطرف المضرور أيضاً أن يواجه الإخلال المبتسر بالعقد بإقامة دعواه فى الحال، وقبل حلول أجل تنفيذ الالتزام المتفق عليه فى العقد، بطلب فسخ العقد أو التعويض أو بهما معاً. ولا يكون عليه الانتظار حتى حلول أجل تنفيذ الالتزام لإقامة هذه الدعوى، لذلك قيل بأن الإخلال المبتسر بالعقد يعد سبباً حالاً للدعوى an immediate cause of action [732] .


187- وقف الطرف المضرور تنفيذ التزاماته بسبب عدم الاطمئنان لتنفيذ الطرف الآخر: وقد نظم القانون التجارى الأمريكى الموحد حق المتعاقد فى إيقاف تنفيذ التزاماته، فأجاز له إذا نشأت أسباب معقولة أدت إلى عدم اطمئنانه إلى قيام المتعاقد الآخر بتنفيذ التزاماته أن يوجه إلى هذا المتعاقد طلباً كتابياً لتقديم ضمانات كافية مناسبة للتنفيذ المستحق، وحتى يتلقى مثل هذه الضمانات يستطيع إيقاف تنفيذ أى التزام له لم يسبق حصوله على مقابله المتفق عليه إذا كان ذلك مقبولاً من الناحية التجارية [733] .

فيتعلق الأمر هنا بتوقع عدم قدرة المتعاقد على التنفيذ، كأن يوافق البائع على تسليم البضاعة مع تأجيل دفع الثمن، وقبل التسليم تصل إليه معلومات تثير لديه شكوكاً حول قدرة المشترى على دفع الثمن. فلا يمكن فى هذه الحالة إجبار البائع على تنفيذ التزامه بالتسليم والانتظار لكى يرى ما إذا كان المشترى سينفذ التزامه بدفع الثمن أم لا، كما لا يستطيع أيضاً إنهاء العقد والتعاقد مع آخر للحصول على احتياجاته [734] .

لذلك نظم القانون هذا الأمر، وأعطى الطرف المضرور فى هذه الحالة الحق فى طلب تقديم ضمانات إضافية كافية adequate assurance، حتى يطمئن إلى أن التنفيذ سوف يتم كما هو متفق عليه. وله أن يوقف تنفيذ التزاماته حتى يتلقى مثل هذه الضمانات إن كان ذلك مقبولاً تجارياً. ويبرر هذا الحكم بأن حق المتعاقد لا يتمثل فقط فى حصوله على المقابل المتفق عليه، وإنما أيضاً فى اطمئنانه طوال الفترة التى تسبق ميعاد التنفيذ إلى أن التنفيذ سوف يتم ولن يحدث إخلال بالعقد. وإذا كان هذا الإخلال متوقعاً بصورة كبيرة، فإنه يحق له أن يعلم به فى أقرب وقت ممكن حتى يستطيع تقليل الأضرار المترتبة عليه، وهو ما يحقق مصلحة الطرفين [735] .

188- ولم يحدد القانون الأسباب المعقولة التى تؤدى إلى عدم الاطمئنان لتنفيذ المتعاقد لالتزاماته، وترك تقدير ذلك لظروف كل حالة. وقضى بأن تخلف المشترى عن سداد ثمن دفعة من الدفعات المسلمة يعد سبباً معقولاً لعدم اطمئنان البائع لسداده ثمن باقى الدفعات، فله أن يمتنع عن تسليمها حتى يتلقى منه ضمانات كافية. ويمكن أن يعد سبباً لعدم الاطمئنان كذلك تخلف البائع عن تسليم دفعة من الدفعات، فيوقف المشترى دفع الثمن حتى يتلقى ضمانات كافية. لكن لا يعد سبباً معقولاً لعدم الاطمئنان أن يكون العيب المدعى بوجوده فى الدفعة التى تم تسليمها بسيطاً جرى العرف على علاجه بتخفيض الثمن، أو أن يكون السبب المدعى به سبق علاجه من قبل [736] .

ويجب أن يكون طلب تقديم الضمانات الكافية مكتوباً in writing وفقاً لما نصت عليه المادة. وفى قضية Continental Grain Co. v. Mc Farland قضت محكمة أول درجة بتعويض شركة Continental Grain Company عن الأضرار التى لحقتها نتيجة عدم تنفيذ Mc Farland لالتزامه فى عقد البيع. فاستأنف الأخير وأقام استئنافه على أساس أنه كان معذوراً في إخلاله بالعقد، لأنه كانت لديه أسباب معقولة لعدم الاطمئنان إلى تنفيذ الشركة لالتزامها، ولم تقم هى بتقديم ضمانات كافية لتنفيذ التزامها. لكن محكمة الاستئناف قضت برفض هذا الدفاع لأنه لم يقدم أى دليل على أنه قام بتوجيه طلب كتابى إلى الشركة لتقديم ضمانات كافية، وبالتالى يكون إخلاله غير مبرر [737] .

وإذا قبل المشترى استلام دفعة من البضاعة رغم ما شابها من عيب، فإن قبوله فى هذه الحالة لا يؤثر فى حقه فى طلب ضمانات كافية إذا كان هذا التسليم المعيب قد أدى إلى عدم اطمئنانه لسلامة الدفعات التى سيتم تسليمها. وكذلك الحال إذا قبل البائع سداد دفعة من الثمن رغم مخالفة المبلغ المدفوع لما تم الاتفاق عليه فى العقد أو التأخر فى دفعة، فإن ذلك لا يحرمه من حقه فى طلب ضمانات كافية لتأكيد التنفيذ المستقبل بالنسبة لباقى دفعات الثمن [738] .

189- وإذا وجه المتعاقد طلباً كتابياً للمتعاقد الآخر لتقديم ضمانات كافية، فإنه يحق له حتى يتلقى مثل هذه الضمانات أن يوقف تنفيذ التزاماته هو، إذ لا يتصور أن يطالب بتنفيذ التزاماته رغم ما ثار لديه من شكوك حول تنفيذ المتعاقد الآخر لالتزاماته [739] .

ويجب على المتعاقد الذى تلقى طلب تقديم ضمانات كافية، أن يقدم هذه الضمانات خلال فترة معقولة لا تتجاوز ثلاثين يوماً من تاريخ استلام الطلب، فإذا لم يقم بذلك اعتبر أنه قد أخل بالعقد [740] .

وتقدير كفاية الضمانات المقدمة يعد من مسائل الواقع التى يرجع فيها إلى كل حالة على حده [741] . إذ أن القانون لم يحدد ما الذى يمكن أن يعد ضماناً كافياً، كما لم يحدد من قبل الأسباب المعقولة لعدم الاطمئنان، فيكون تقدير ذلك وفقاً لظروف كل حالة وللأعراف التجارية السارية فى هذا الشأن [742] .

وقد يتوقف تقدير هذه الضمانات على شخصية المتعاقد الذى يعرضها وسمعته التجارية، والتى قد تضفى ثقة على ما يقرره بشأن تنفيذه لالتزامه. وقد يدخل فى هذا التقدير طبيعة البضاعة نفسها، فالبائع الذى يسلم بضاعة صالحة للاستعمال مع وجود عيوب بسيطة بها يمكن أن يقبل تعهده بأنه سوف يصلح هذه العيوب فى الدفعات التالية. لكن البضاعة إذا كانت
غير صالحة للاستعمال فى الغرض المتفق عليه فى العقد، فإنه لن يقبل من البائع مجرد استبدال البضاعة أو إصلاحها، إذ لن يعد ذلك ضماناً كافياً لرفع أسباب عدم اطمئنان المشترى إلى طبيعة البضاعة التى سوف يتم تسليمها فى الدفعات التالية [743] .

190- مواجهة الإخلال المبتسر فى القانون التجارى الأمريكى الموحد: وقد نظم القانون التجارى الأمريكى الموحد فى حكم آخر الآثار التى تترتب على الإخلال المبتسر بالعقد بصورة أكثر شمولاً، فنص على أنه إذا أخل أحد المتعاقدين بالتزامه الذى لم يحل أجله بعد، يستطيع المتعاقد الآخر أن يواجه هذا الإخلال بسبب الخسارة التى سوف تحرمه بصفة أساسية من منفعة العقد بالنسبة له، إما بالانتظار الفترة المعقولة تجارياً لكى ينفذ الطرف المخالف التزامه، أو باللجوء إلى أى وسيلة من وسائل علاج الإخلال والمنصوص عليها فى هذا القانون ومنها طلب التعويض أو التنفيذ العينى أو الفسخ، حتى ولو
كان قد أخطر الطرف المخالف بأنه سوف ينتظر تنفيذه التزامه. ويحق له فى جميع الأحوال وقف تنفيذ التزاماته [744] .

وقد قصد بهذا النص حماية الطرف المضرور من الإخلال بتنفيذ التزام لم يحل أجله بعد، إذا كان عدم التنفيذ سوف يحرمه بصفة أساسية من منفعة العقد بالنسبة له [745] . فأجاز له استخدام كافة الوسائل المقررة فى حالة الإخلال بالتزام حل أجله فعلاً، ومنها طلب الفسخ والتعويض، بالإضافة إلى حقه فى وقف تنفيذ التزاماته.

وإذا كان وقف المتعاقد تنفيذ التزاماته هنا يماثل وقف التنفيذ فى حالة توافر أسباب معقولة لعدم الاطمئنان إلى تنفيذ المتعاقد الآخر لالتزاماته، والسابق الإشارة إليه. إلا أنهما يختلفان فى أن وقف التنفيذ هنا هو لمواجهة إخلال قد حدث فعلاً بالعقد وإن كان مبتسراً، ويقصد به مواجهة افتراض أن التنفيذ بعد ذلك لن يكون مقبولاً. أما وقف التنفيذ فى
الحالة السابقة فلا يواجه إخلالاً، وإنما مجرد عدم الاطمئنان إلى التنفيذ المستقبل، وقصد به إعطاء المتعاقد الآخر فرصة لتقديم ضمانات كافية تؤكد عزمه على تنفيذ التزاماته [746] .

ولم يعرف القانون الأمريكى المقصود بالإخلال المبتسر بالعقد فى هذه المادة، إلا أنه فى التعليق عليها أعيد التأكيد على ذات التعريف الذى أخذ به بصفة عامة للإخلال المبتسر، والسابق الإشارة إليه، وهو أنه تصريح المتعاقد أو تصرفه بما يجعل تنفيذ التزامه عند حلول أجله مستحيلاً أو يشير إلى تصميمه على عدم الاستمرار فى التنفيذ [747] .

191- العدول عن الإخلال بالعقد: ورغبة فى الحفاظ على العقد، أجاز القانون الأمريكى للطرف المخالف العدول عن الإخلال فى أى وقت قبل حلول أجل تنفيذ التزامه، فيعود الطرفان إلى الحالة التى كانا عليها قبل حدوث هذا الإخلال. لكن العدول لا يحدث أثره إذا كان الطرف المضرور قد فسخ العقد، أو تغير موقفه بصورة أساسية بما لا يسمح بعودته إلى العقد مرة
أخرى، كأن يكون قد أعاد بيع البضاعة المتعاقد عليها أو تعاقد مع آخر لتدبير احتياجاته التى كان قد تعاقد من أجلها، وكذلك إذا أعلن بأى صورة عن قصده اعتبار هذه الإخلال نهائياً [748] .

ويكون العدول عن الإخلال، فى الحالات التى يسمح فيها بذلك، بأى طريقة تدل صراحةً على أن الطرف المخالف ينوى تنفيذ التزامه المتفق عليه في العقد، لكن يجب أن يشمل ذلك تقديم أى ضمان يكون الطرف المضرور قد طلبه لقبول هذا العدول [749] .

192- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن مبدأ الإخلال المبتسر بالعقد يجد أصله فى النظام القانونى الأنجلو أمريكى، إذ عرفه القضاء الإنجليزى منذ زمن بعيد فصدر أول حكم تطبيقاً لهذا المبدأ عام 1852، واستقر فى الفقه القضاء بعد ذلك أنه يتحقق بكل فعل أو تصريح يصدر عن المتعاقد ويجعل تنفيذ التزامه الذى لم يحل أجله بعد مستحيلاً أو يشير إلى تصميمه على عدم الاستمرار فى هذا التنفيذ. ويترتب على الإخلال المبتسر بالعقد إعطاء الطرف المضرور الحق فى إقامة دعواه فى الحال، وقبل حلول أجل تنفيذ الالتزام، سواء بطلب فسخ العقد أو التعويض. وكذا الحق فى وقف تنفيذ التزاماته حتى يتضح له موقف المتعاقد الآخر من التنفيذ.

وقد تضمن القانون الإنجليزى حكماً واحداً، ضمنه قانون البيع الصادر عام 1979، يواجه به حالة إعسار المشترى والتى قد تؤدى إلى إثارة الشكوك حول قدرة المشترى على تنفيذ التزاماته فأجاز للبائع فى هذه الحالة إيقاف تنفيذ التزامه بالتسليم حتى يستوفى الثمن. لكنه لم يعتبر هذا الإعسار فى حد ذاته إخلالاً بالعقد، إلا إذا صدر ما يؤكد أن العقد لن يتم تنفيذه.

أما القانون التجارى الأمريكى الموحد فقد تضمن حكماً مماثلاً لقانون البيع الإنجليزى فيما يتعلق بإعسار المشترى. وتضمن بالإضافة إلى ذلك حكماً نظم به حق المتعاقد فى إيقاف تنفيذ التزاماته إذا نشأت أسباب معقولة أدت إلى عدم اطمئنانه لقيام المتعاقد الآخر بتنفيذ التزاماته، فأعطى له الحق فى ذلك حتى يتلقى ضمانات كافية تؤكد تنفيذ المتعاقد الآخر لالتزاماته.

وتضمن القانون التجارى الأمريكى الموحد أيضاً حكماً نظم به بصورة شاملة آثار الإخلال المبتسر بالعقد، فأجاز فى حالة إخلال أحد المتعاقدين بالتزامه الذى لم يحل أجله بعد، أن يواجه المتعاقد الآخر هذا الإخلال بوقف تنفيذ التزاماته أو باللجوء إلى أى وسيلة من وسائل علاج الإخلال التى نص عليها القانون ومنها طلب التعويض أو التنفيذ العينى أو الفسخ.

فأقر بذلك الآثار التى رتبها الفقه والقضاء من قبل على الإخلال المبتسر بالعقد. لكنه مع ذلك شجع الحفاظ على العقد بإجازة العدول عن هذا الإخلال، بشرط أن يتم ذلك قبل حلول أجل تنفيذ الالتزام، وألا يكون قد اتخذ أى إجراء يحول دون الرجوع إلى العقد مرة أخرى.


الفرع الثانى

الإخلال المبتسر
فى القانون المصرى

193- إذا كان نظام الفسخ المبتسر قد تقرر لمواجهة ما قد يظهر من إخلال متوقع من المتعاقد لالتزام لم يحل أجله بعد، فإن القانون المصرى - رغم أنه لا يعرف هذا النظام - لم يقف ساكناً إزاء ما يصدر من أفعال أو يقع من أحداث تنبئ عن أن المتعاقد لا يرغب فى تنفيذ التزامه أو لن يتمكن من ذلك.

فقد تضمن القانون المدنى المصرى، وكذا قانون التجارة المصرى الجديد، حالات يمكن أن تقترب من فكرة الإخلال المبتسر بالعقد التى عرفها القانون الأنجلو أمريكى، وإن كان هذا الاصطلاح - وهو الإخلال المبتسر بالعقد - لم يعرفه الفقه ولا القضاء فى مصر.

194- حالات الإعفاء من توجيه الإعذار: فإذا كان الأصل أن الدائن لا يستطيع مطالبة مدينه بتنفيذ التزامه جبراً عنه، تنفيذاً عينياً أو تنفيذاً بمقابل، إلا إذا وجه إليه إعذاراً يطالبه فيه رسمياً بتنفيذ التزامه [750] . فإنه يعفى مع
ذلك من توجيه هذا الإعذار إذا أصبح تنفيذ الالتزام غير ممكن أو غير مجد بفعل المدين، أو إذا صرح المدين كتابة أنه لا يريد القيام بالتزامه [751] .

وتعد هذه الحالات من قبيل الإخلال المبتسر بالالتزام، فإذا أتى المتعاقد فعلاً يجعل تنفيذ التزامه مستحيلاً عند حلول أجله، كأن يتلف البائع الشىء المبيع عمداً أو يبيعه ثانية بيعاً نافذاً فى حق المشترى الأول، فإن الإخلال بالالتزام يتحقق فى هذه الحالة رغم عدم حلول أجله، إذ يصبح واضحاً أن البائع لن يتمكن من تنفيذ التزامه بنقل الملكية وتسليم المبيع إذا حل الأجل
المتفق عليه. ويتحقق ذلك أيضاً إذا صرح المدين كتابة قبل حلول ميعاد تنفيذ الالتزام أنه لا يرغب فى تنفيذه عندما يحل أجله [752] .

وقد واجه القانون المصرى هذا الإخلال المبتسر بتقرير حق الدائن في هذه الحالة فى إقامة دعواه دون حاجة إلى توجيه إعذار للمدين بوجوب تنفيذ التزامه، لأن الإعذار لا يعد وأن يكون مطالبة المدين بتنفيذ التزامه، فمن ثم
لا يكون له محل إذا أصبح تنفيذ الالتزام غير ممكن أو غير مجد بفعله.

أما إذا صرح كتابة أنه لا يريد تنفيذ التزامه، فإنه أظهر بذلك إصراره على الإخلال بالتزامه، فلا تجدى مطالبته عن طريق الإعذار بتنفيذه [753] .

لكن القانون المصرى لم يسلم إلا بهذه النتيجة، وهى إعفاء الدائن من توجيه الإعذار، فيظل ملتزماً مع ذلك بإقامة دعواه بمطالبة المدين بتنفيذ التزامه عندما يحل أجل تنفيذ هذا الالتزام، دون أن يكون له الحق فى إقامة دعواه قبل ذلك.

- حالات سقوط أجل تنفيذ الالتزام:

195- ويقترب من فكرة الإخلال المبتسر بالعقد ما أخذ به القانون المصرى من سقوط أجل تنفيذ الالتزام فى حالات معينة، تجمعها فكرة عدم اطمئنان الدائن إلى تنفيذ المدين لالتزامه عند حلول أجله. فإذا توافرت حالة من هذه الحالات جاز للدائن إقامة دعواه بالمطالبة بتنفيذ الالتزام فى الحال دون انتظار حلول الأجل المتفق عليه، إذ ما دام قد سقط هذا الأجل فإن الالتزام يصبح مستحق الأداء يحق المطالبة به فوراً.

وحدد القانون المصرى الحالات التى يسقط فيها الأجل بأنها: إذا شهر إفلاس المدين أو إعساره وفقاً لنصوص القانون، وإذا أضعف المدين بفعله إلى حد كبير ما أعطى الدائن من تأمين خاص، وإذا لم يقدم المدين للدائن ما وعد فى العقد بتقديمه من التأمينات [754] .

والأجل الذى يسقط هنا هو الأجل الواقف [755] ، والذى يُعرف بأنه أمر مستقبل محقق الوقوع يترتب على حلوله نفاذ الالتزام المقترن به [756] . إذ هو يقف الالتزام عن أن ينفذ وعن أن يصبح مستحق الأداء إلى حين انقضاء الأجل [757] .

196-  1  إشهار إفلاس المدين أو إعساره: فيسقط الأجل بشهر إفلاس المدين أو إعساره، ويتعلق هذا الحكم بالمدين تاجراً كان أو غير تاجر، فإذا كان تاجراً أشهر إفلاسه وإذا كان غير تاجر أشهر إعساره [758] . ويشهر 1إفلاس المدين إذا كان تاجراً وتوقف عن دفع ديونه التجارية إثر اضطراب أعماله المالية [759] ، ويشهر إعسار المدين غير التاجر إذا كانت أمواله لا تكفى لوفاء ديونه المستحقة الأداء [760] .

وقد تضمن قانون التجارة الجديد حكماً مماثلاً فى حالة إشهار الإفلاس، إذ قضى بأن الحكم بشهر الإفلاس يسقط آجال جميع الديون النقدية التى على المفلس سواء أكانت عادية أم مضمونة بامتياز عام أو خاص [761] .

ويشترط لسقوط آجال الديون، سواء فى الإفلاس أو الإعسار، صدور حكم بشهر الإفلاس أو الإعسار، فلا يترتب هذا السقوط على الإفلاس أو الإعسار الفعلى [762] .

وتسقط آجال الديون التى على المفلس سواء أكانت مدنية أم تجارية، وسواء أكانت ديوناً عادية أم مضمونة برهن أو اختصاص أو امتياز. وتسقط بشهر الإفلاس جميع الآجال سواء أكانت اتفاقية أم قضائية أم قانونية [763] .

197-  2  إضعاف تأمينات الدين: ويسقط الآجل بإضعاف المدين التأمينات التى أعطاها للدائن. ويشترط فى هذه الحالة أن يكون للدين المؤجل تأمين خاص كرهن أو امتياز، فلا يكفى إضعاف المدين الضمان العام للدائنين - والذى يتناول أمواله في جملتها - بأن يتصرف فى جزء منه، ولو أدى ذلك إلى عدم كفاية أمواله لوفاء ديونه. إذ أن مواجهة ذلك تكون بأن يطلب الدائن شهر إعسار المدين، فإذا شهر إعساره سقط الأجل، لكن الأجل يسقط هنا بسبب شهر الإعسار لا بسبب إضعاف التأمينات [764] .

ويقصد بإضعاف التأمين أن يصبح أقل من قيمة الدين المضمون به، فلا يعتد بالضعف اليسير الذى يبقى التأمين رغم حصوله كافياً للوفاء بالدين [765] . وقد عبر النص عن ذلك بقوله إن التأمين الخاص لابد أن يضعف إلى حد كبير.

وإذا ضعف التأمين الخاص للدين فإن هذا الإضعاف إما أن يكون قد حدث بفعل المدين، وفى هذه الحالة يسقط الأجل إلا إذا اختار الدائن المطالبة بتكملة الدين. وإما أن يكون إضعاف التأمين لسبب لا دخل لإرادة المدين فيه، فيسقط الأجل أيضاً ما لم يقدم المدين للدائن ضماناً كافياً [766] . وعلى ذلك فإن التزام المدين فى الحالة الأولى هو التزام تخييرى، الخيار فيه للدائن، الذى له أن يطالب بالدين فوراً لسقوط الأجل أو أن يطالب بتكملة التأمين، أما في الحالة الثانية فإن التزامه هو التزام تخييرى، الخيار فيه للمدين، إما أن يسلم بسقوط الأجل وإما أن يختار تقديم تأمين كاف [767] .

198-  3  عدم تقديم التأمينات المتفق عليها: ويسقط الأجل إذا لم يقدم المدين ما وعد بتقديمه من تأمينات، فيعد سقوط الأجل هنا جزاءً لإخلال المدين بالتزامه، فيحق للدائن اقتضاء حقه على الفور لأنه أصبح بسقوط الأجل مستحق الأداء [768] .

 ويستوى فى سقوط الأجل فى هذه الحالة أن يكون التأمين الخاص موعوداً به فى العقد، أو واجباً بنص فى القانون [769] . كما هو الحال فيما أجازه القانون للدائن من المطالبة بتأمين إذا خشى إفلاس المدين أو إعساره واستند فى ذلك إلى سبب معقول [770] .

ونلاحظ أن هذا الحكم الأخير يقترب من الحكم فى القانون التجارى الأمريكى الموحد، والذى أجاز للمتعاقد إذا نشأت أسباب معقولة لعدم الاطمئنان إلى قيام المتعاقد الآخر بتنفيذ التزامه أن يطلب منه كتابة تقديم ضمانات كافية مناسبة للتنفيذ [771] . لكنهما يختلفان فى أن القانون المصرى قد قصر حكمه على حالة الخشية من إفلاس المدين أو إعساره وحدها، ولم يرتب على هذه الخشية سوى حق الدائن فى طلب تأمين خاص يكفى لإزالة أسبابها. أما القانون الأمريكى فقد وسع حكمه ليشمل جميع الحالات التى تؤدى إلى عدم الاطمئنان لتنفيذ المتعاقد لأى التزام من التزاماته، وأعطى الطرف المضرور بالإضافة إلى حقه فى طلب ضمانات كافية الحق فى وقف تنفيذ التزاماته حتى تقدم إليه هذه الضمانات.

199- أثر سقوط أجل تنفيذ الالتزام: ويترتب على سقوط الأجل فى الحالات سالفة البيان أن يصبح التزام المدين نافذاً، يستطيع الدائن أن يقتضيه منه اختياراً أو ينفذه جبراً عنه [772] . لكنه ليس ملزماً بذلك، إذ له أن يتربص ويطالب المدين فى أى وقت يختاره بعد ذلك [773] .

وتقترب هذه الحالات من الإخلال المبتسر بالعقد، إذ أن إشهار إفلاس المدين أو إعساره - وإن كان لا يعد فى حد ذاته إخلالاً بالعقد - يؤدى إلى توقع عدم تمكن المدين من تنفيذ التزامه عند حلول أجله، خاصة أن منح الأجل يعتمد فى الغالب على الثقة فى قدرة المدين المالية. أما إضعاف المدين للتأمين الخاص الذى قدمه، أو عدم تقديمه ما وعد بتقديمه من تأمينات فيعد إخلالاً منه بالعقد، وهو إخلال حدث قبل حلول أجل تنفيذه.

وقد يترتب على توافر حالة من الحالات سالفة البيان أن يطالب الدائن بفسخ العقد، وذلك إذا لم ينفذ المدين التزامه اختياراً أو جبراً بعد سقوط أجله، ويعد الفسخ هنا قريباً من الفسخ المبتسر للعقد، لأن أجل الالتزام الذى كان قد تم الاتفاق عليه لم يحل بعد.

- الفسخ المبتسر فى قانون التجارة المصرى الجديد:

200- وإذا كانت فكرة الإخلال المبتسر بالعقد تعنى تمكين المتعاقد من التخلص من العقد إذا قامت لديه شكوك قوية تبرر اعتقاده بأن المتعاقد الآخر سوف لا ينفذ ما يفرضه عليه العقد من التزامات، فإنه قد يعد من قبيل هذا الإخلال ما نص عليه قانون التجارة المصرى الجديد من أنه إذا اتفق على تسليم المبيع على دفعات جاز للمشترى أن يطلب الفسخ إذا لم يقم البائع بتسليم إحدى الدفعات فى الميعاد المتفق عليه، ولا يسرى الفسخ على الدفعات التى تم تسليمها إلا إذا ترتب على تبعيض المبيع ضرر جسيم للمشترى [774] .

فالفسخ فى عقود البيع على دفعات يشمل الدفعة التى حدث الإخلال بشأنها والدفعات المستقبلة، لكنه لا يشمل الدفعات التى تم تسليمها. ويعد الفسخ بالنسبة للدفعات المستقبلة فسخاً مبتسراً لأن الإخلال بشأنها لم يحدث بعد لكن الإخلال الذى حدث بشأن الدفعة المسلمة يرجح حدوث الإخلال بالنسبة لما بعدها من دفعات.

ونص قانون التجارة المصرى الجديد على هذه الفكرة بصورة أكثر وضوحاً فيما يتعلق بعقود التوريد، فقضى بأنه إذا تخلف أحد الطرفين عن تنفيذ التزاماته بشأن أحد التوريدات الدورية فلا يجوز للطرف الآخر فسخ العقد إلا إذا كان من شأن التخلف عن التنفيذ إحداث ضرر جسيم له أو إضعاف الثقة فى مقدرة الطرف الذى تخلف عن التنفيذ على الاستمرار فى تنفيذ التوريدات اللاحقة بصورة منتظمة [775] .

فالفسخ فى عقود التوريد ينصب على الدفعة التى تخلف المتعاقد عن توريدها والتوريدات اللاحقة بشرط أن يكون من شأن التخلف عن التنفيذ الذى حدث إحداث ضر جسيم له أو إضعاف الثقة فى مقدرته على الاستمرار في تنفيذ التوريدات اللاحقة بصورة منتظمة.

وتقترب فكرة إضعاف الثقة فى مقدرة المتعاقد على الاستمرار فى التنفيذ من فكرة عدم الاطمئنان إلى قيام أحد المتعاقدين تنفيذ التزاماته والتى رتب عليها القانون التجارى الأمريكى الموحد حق المتعاقد الآخر فى طلب ضمانات كافية للتنفيذ ووقف تنفيذ التزاماته حتى تقدم هذه الضمانات [776] . وقد اعتبر من أسباب عدم الاطمئنان تخلف البائع عن تسليم دفعة من الدفعات، وكذا تخلف المشترى عن سداد ثمن دفعة من الدفعات المسلمة [777] .